البث المباشر الراديو 9090

قال محمد جاد الله إنه في إحدى أمسيات عام 1957، شهد برنامج المسابقات الأمريكي الشهير "What's My Line" مفارقة تاريخية لخصت قسوة الرأسمالية وجحود البشرية، وقف رجل نحيل الملامح، تبدو على وجهه انكسارات الزمن، أمام لجنة من أربعة محققين مهمتهم تخمين هويته وسر مهنته.

وأوضح جاد الله، في برنامج "سيرة ومسيرة"، عبر موقع "مبتدا"، أن المحققون فشلوا جميعاً في التعرف عليه، لتصعق الحقيقة الجمهور لاحقاً: هذا الرجل الواقف كالغريب أمام الشاشة لم يكن سوى "فيلو فارنزورث"؛ المخترع الحقيقي للتلفزيون. الرجل الذي نقل الصورة إلى ملايين البيوت حول العالم، غادر الأستوديو يومها وفي جيبه مكافأة متواضعة: 80 دولاراً، وعلبة سجائر.

وأضاف أن حكاية هذا الابتكار الذي غيّر وجه البشرية بدأت عام 1920 في مزرعة ريفية بولاية يوتا الأمريكية. كان "فيلو" صبياً لم يتجاوز الـ 14 من عمره، يقود المحراث خلف الخيول لزراعة البطاطس،  وأثناء تأمله لخطوط الأرض المتوازية التي يصنعها المحراث، لمعت في ذهنه فكرة عبقرية: "إذا تمكنا من تفكيك الصورة ومسحها خطاً تلو الآخر، تماماً كما أححرث الأرض، ثم أعدنا تجميع هذه الخطوط بسرعة فائقة على شاشة، ستتمكن العين البشرية من رؤية صورة متحركة".

وأشار إلى أن الصبي رسم المخطط الأولي بالتباشير على سبورة مدرس الكيمياء الخاص به، وهو المشهد الذي سيتحول لاحقاً إلى طوق نجاة قانوني. كبر "فيلو" وعمل ليل نهار في معمله المتواضع، حتى نجح أخيراً في 7 سبتمبر 1927 في نقل أول صورة إلكترونية حية في تاريخ البشرية، ولم تدم فرحة المخترع الشاب طويلاً؛ فسرعان ما تناهى الخبر إلى مسامع ديفيد سارنوف، رئيس شركة (RCA) العملاقة والرجل المتنفذ في عالم الاتصالات آنذاك، وأرسل سارنوف مهندساً من طرفه لزيارة معمل فارنزورث. وبسذاجة العلماء المعهودة، استقبله فيلو بكل صدق وشرح له أدق تفاصيل ابتكاره، ليعود المهندس إلى شركته وينسخ الفكرة بحذافيرها.

وأكد أنه عندما طالب فارنزورث بحقوقه الملكية، جاء رد سارنوف متغطرساً: "شركتنا لا تدفع حقوق براءات اختراع لأحد، نحن من نجمعها فقط". ومن هنا، بدأت رحلة الانهيار الكامل للمخترع الشاب، وحركت شركة (RCA) جيشاً من المحامين لكسر فارنزورث وتدميره مادياً وقانونياً، لكن نقطة التحول في القضية كانت شهادة معلم الكيمياء القديم، الذي استدعي للمحكمة وشهد بأنه رأى الفكرة مرسومة على سبورته منذ عام 1920، وبناءً على هذه الشهادة، حكمت المحكمة لصالح فيلو عام 1934 كصاحب الحق الأصيل في الابتكار.

وتابع: "لكن الانتصار كان حبراً على ورق؛ إذ اتبعت الشركة العملاقة استراتيجية المماطلة القضائية لسنوات، حتى استنزفت أموال فارنزورث تماماً وأجبرته على إعلان إفلاسه، ليضطر في النهاية لبيع رخص براءات الاختراع للشركة نفسها بمبلغ زهيد. وزاد الأمر سوءاً اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي أوقفت مصانع الإنتاج المدني تماماً".

وأضاف أنه مع انتهاء الحرب في أواخر الأربعينيات، بدأ التلفزيون يغزو ملايين البيوت الأمريكية والعالمية، محققاً أرباحاً ومليارات خيالية للشركات الكبرى، وفي تلك اللحظة بالذات وتحديداً عام 1947، كانت المدة القانونية لبراءات اختراع فارنزورث قد انتهت، ليضيع حقه في جني ثمار ابتكاره إلى الأبد، ودون أن يتقاضى سنتاً واحداً من تلك المليارات.

واختتم حديثه قائلا: "دخل فيلو فارنزورث في نوبة اكتئاب حاد، وعاش سنواته الأخيرة محطماً منسيّاً، حتى غيبه الموت مفلساً ومحسراً في 11 مارس 1971 عن عمر يناهز 64 عاماً، تاركاً خلفه شاشات تضيء العالم، وحكايةً مظلمة عن موهبة نهشتها حيتان المال والشركات".