رامي زهدي
سياسي ليبرالى، عضو المكتب السياسي ومجلس أمناء «كتلة الحوار»، وخبير بالشئون الإفريقية الاقتصادية والسياسية والاستثمار والتجارة البينية بالقارة لدى شركات ومؤسسات، مصرية ودولية، ومُستشار ومدير الملف الإفريقي بمؤسسة «الجمهورية الجديدة للتنمية»، ورئيس وحدة الدراسات الإفريقية، ونائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، وعضو الهيئة الاستشارية لمركز «ايچبشن انتربرايز» للدراسات الإستراتيجية، وعضو الهيئة الاستشارية لمؤسسة «عدالة ومُساندة».
-
هناك مشروعات تنفذها الدول، وهناك مشروعات تغير حياة الشعوب، وهناك مشروعات تتجاوز قيمتها الاقتصادية والهندسية حدود منشآتها، لتصبح علامة فاصلة بين مرحلتين في تاريخ دولة بأكملها.
-
حدث هام جدير بالتحليل والدراسة، وهو تسلم سفينتين جديدتين للدولة المصرية، حيث تبحر السفينة «وادي النيل» في اتجاه مصر، فيما تستعد السفينة «وادي القمر» للإبحار، بعد مراسم تسلم شركة الملاحة الوطنية للسفينتين من ترسانة هانتونج الصينية، بحضور الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية، وزير الصناعة والنقل، والقراءة الأكثر عمقًا لهذا المشهد تكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بإضافة سفينتين إلى أسطول مصري قائم، وإنما تتصل بملف أكثر أهمية يتعلق بمستقبل الاقتصاد المصري نفسه.. حيث امتلاك القدرة على الحركة التجارية، وليس الاكتفاء بامتلاك القدرة على الإنتاج.
-
بالتأكيد نخطئ جدا حين نصر على مشاهدة إفريقيا بعيون قديمة، بل أعتقد أن جزءا كبيرا من أزمات فهم القارة اليوم لا يتعلق بإفريقيا نفسها بقدر ما يتعلق بمن يصرون على قراءتها من خلال صورة توقفت منذ ثلاثين أو أربعين عاما. فإفريقيا التي عرفها الإعلام الدولي في العقود الأخيرة من القرن الماضي لم تعد هي إفريقيا التي ظهرت في كأس العالم 2026 على سبيل المثال، وتظهر اليوم في مثل هذه الأحداث العالمية الكبرى. وأنا هنا لا أتحدث عن كرة القدم فقط، ولا أتحدث عن خطة مدرب أو مهارة لاعب أو هدف أو نتيجة مباراة أو منتخب تأهل وآخر غادر، بل أتحدث عن شيء أكبر كثيرا، أتحدث عن قارة تغير موقعها داخل الصورة، وهذه مسألة سياسية واقتصادية وحضارية قبل أن تكون مسألة رياضية.
-
ليست المعضلة الحقيقية في بعض التغطيات الغربية للقضايا العربية والإفريقية وخاصة المصرية أنها ترتكب أخطاء مهنية فحسب، وإنما أنها كثيرا ما تقع في فخ اختزال الوقائع المعقدة داخل سرديات جاهزة ومسبقة وربما مُوجهة، تبحث عن تأكيد أفكار مُتخيلة او وهمية، أكثر مما تسعى إلى فهم الواقع الحقيقي كما هو.
-
تصدر السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، غلاف العدد الأول من مجلة (روافد إفريقية)، الصادرة عن جامعة القاهرة، ليس مجرد اختيار موفق جدا أو تشريفي هام أو رمزي مُعبر وفقط، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي ومعرفي عن مرحلة جديدة من إعادة تعريف أدوات الحضور المصري داخل القارة الإفريقية، فالدول لم تعد تخوض معارك النفوذ فقط عبر الجيوش أو الاقتصاد أو التحالفات التقليدية، وإنما أيضا عبر الجامعات، ومراكز الفكر، والمنصات الأكاديمية، وصناعة الوعي، وإنتاج السرديات القادرة على تشكيل الإدراك الجمعي والوعي للشعوب والنخب معا.
-
من الخليج العربي إلى القرن الإفريقي، ابحث معي عن شبر واحد لا تمر عبره بصمة العسكرية المصرية العريقة (لن تجد أبدا).
-
"جذوري غائرة في تراب إفريقيا، لكن أغصاني تمتد لتعانق العالم".. هكذا كتب الشاعر والرئيس والمفكر الإفريقي ليوبولد سيدار سنجور، وكأن الرجل الذي حمل هموم القارة في قصائده وخطاباته كان يرى منذ عقود بعيدة ذلك المشهد الذي تستعد له مصر اليوم، وهي تستعد لافتتاح أبواب المقر الجديد لجامعة سنجور بمدينة برج العرب، في لحظة لا تبدو مجرد افتتاح لمؤسسة أكاديمية، بل إعلانًا سياسيًا وثقافيًا واستراتيجيًا بالغ العمق عن موقع مصر داخل معادلة النفوذ المعرفي الإفريقي والدولي
-
في لحظة تاريخية بدت فيها المنطقة وكأنها على حافة انزلاق شامل نحو مواجهة متعددة الجبهات، لم يكن الدور المصري مجرد تحرك دبلوماسي تقليدي، بل أقرب إلى عملية إدارة معقدة للأزمة عبر تفكيك بؤر الاشتعال، وإعادة توزيع الضغوط، وخلق مساحات فاصلة بين الفعل ورد الفعل.
-
رغم أن مسرح المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل يقع في الشرق الأوسط، فإن تداعياته لا تتوقف عند حدوده الجغرافية. فالقارة الإفريقية، بحكم موقعها الاستراتيجي وتشابك مصالحها الاقتصادية والأمنية مع منطقة الخليج والبحر الأحمر، ليست مراقبًا محايدًا، بل طرفًا متأثرًا بصورة مباشرة وغير مُباشرة.
-
ما بين اعتبارات الجغرافيا وحسابات الاقتصاد وأولويات الأمن القومي، تقف القاهرة والرياض أمام مشهد يتجاوز كونه مشروع بنية تحتية تقليدي، ليصبح تعبيرًا صريحًا عن انتقال نوعي في فلسفة إدارة الطاقة في الإقليم، حيث التشغيل التجريبي المرتقب لمشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية ليس خبرًا عابرًا، بل إعلان دخول المنطقة مرحلة جديدة من التكامل الاستراتيجي القائم على المصالح المتبادلة والتشبيك العميق بين البنى السيادية.