رامي زهدي
سياسي ليبرالى، عضو المكتب السياسي ومجلس أمناء «كتلة الحوار»، وخبير بالشئون الإفريقية الاقتصادية والسياسية والاستثمار والتجارة البينية بالقارة لدى شركات ومؤسسات، مصرية ودولية، ومُستشار ومدير الملف الإفريقي بمؤسسة «الجمهورية الجديدة للتنمية»، ورئيس وحدة الدراسات الإفريقية، ونائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، وعضو الهيئة الاستشارية لمركز «ايچبشن انتربرايز» للدراسات الإستراتيجية، وعضو الهيئة الاستشارية لمؤسسة «عدالة ومُساندة».
-
ما بين اعتبارات الجغرافيا وحسابات الاقتصاد وأولويات الأمن القومي، تقف القاهرة والرياض أمام مشهد يتجاوز كونه مشروع بنية تحتية تقليدي، ليصبح تعبيرًا صريحًا عن انتقال نوعي في فلسفة إدارة الطاقة في الإقليم، حيث التشغيل التجريبي المرتقب لمشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية ليس خبرًا عابرًا، بل إعلان دخول المنطقة مرحلة جديدة من التكامل الاستراتيجي القائم على المصالح المتبادلة والتشبيك العميق بين البنى السيادية.
-
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تتراجع فيها منسوبات اليقين، وتتصاعد فيها كلفة الفراغ الاستراتيچي، جاءت التصريحات الإيجابية للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تجاه مصر، ورد السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي عليها، بوصفها أكثر من مجرد مجاملة دبلوماسية، أو رسائل بروتوكولية محسوبة، بل باعتبارها إشارة سياسية عميقة الدلالة، تعكس إدراكا متقدما لطبيعة المرحلة، وحاجة المجالين العربي والإفريقي إلى إعادة ترتيب موازين الثِّقل عبر شراكات صلبة بين القوى الكبرى لا الهشة، وبين الدول المؤسسة لا العابرة.
-
حين تتشابك الأزمات وتتقاطع المصالح الدولية والإقليمية على جغرافيا القرن الإفريقي، تبرز العلاقة المصرية الصومالية بوصفها إحدى أكثر العلاقات العربية الإفريقية تعبيرا عن منطق الدولة، ومعنى المسؤولية، وحدود الدور الواجب في مواجهة الفوضى لا إدارتها، وفي دعم الاستقرار لا المتاجرة به.
-
تمثل زيارة الرئيس التركي إلى القاهرة لحظة سياسية كثيفة الدلالات تتجاوز إطار المجاملات الدبلوماسية أو تصفير الخلافات التقليدي، لتدخل مباشرة في عمق إعادة تشكيل خرائط التوازن الإقليمي والدولي، وفي القلب منها القارة الإفريقية باعتبارها ساحة الفرص الكبرى وساحة التنافس الأخطر في آن واحد، فهذه الزيارة لا يمكن قراءتها باعتبارها حدثا ثنائيا فقط، بل كإشارة صريحة إلى إدراك متبادل بأن مرحلة الاستقطاب الحاد لم تعد قابلة للاستمرار، وأن منطق الشراكة البراغماتية أصبح أكثر عقلانية وربحية لكلا الطرفين، سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا.
-
بدء رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن الإفريقي اعتبارًا من فبراير 2026 لا يمكن النظر إليه كاستحقاق دوري أو تداول بروتوكولي على رئاسة أحد أهم أجهزة الاتحاد الإفريقي، بل هو تطور نوعي يحمل في طياته دلالات سياسية واستراتيجية عميقة، تتجاوز حدود التمثيل المؤسسي إلى إعادة تعريف دور الدولة المصرية داخل منظومة الأمن القاري، في لحظة إفريقية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الأزمات المسلحة مع التحولات الجيوسياسية، وتتزاحم فيها القوى الدولية على النفوذ، بينما تبحث الشعوب الإفريقية عن معادلة توازن جديدة بين السيادة والاستقرار والتنمية.
-
لا يمكن قراءة عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوساطة في أزمة سد النهضة الإثيوبي قراءة سطحية أو معزولة عن السياقين الإقليمي والدولي، ولا عن مسار تفاوضي طويل امتد لما يزيد على ثلاثة عشر عاماً، تخللته عشرات الجولات والاجتماعات والبيانات، وانتهى عملياً إلى طريق مسدود بفعل تعنت طرف واحد اختار منذ اللحظة الأولى تحويل مشروع تنموي معلن إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي ووجودي على دولتي المصب مصر والسودان.
-
في لحظة سياسية واقتصادية بالغة الدلالة، تأتي زيارة نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل المصري إلى جيبوتي ولقاؤه بالرئيس إسماعيل عمر جيله، مصحوبًا بوفد نوعي من كبرى شركات القطاعين العام والخاص المصري، لتؤكد أن العلاقات المصرية الجيبوتية لم تعد محكومة فقط بإرث تاريخي أو خطاب دبلوماسي تقليدي، بل دخلت مرحلة أكثر عمقًا تقوم على الفعل الاقتصادي، والربط الاستراتيجي، وتحويل الجغرافيا إلى قيمة مضافة، والسياسة إلى أداة تمكين للتنمية.
-
تدخل مصر عام 2026 وفي حقيبتها رصيد سياسي وتنموي واقتصادي يجعلها أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في القارة. ولم تعد علاقة مصر بإفريقيا علاقة «واجب جغرافي»، بل أصبحت ركيزة رئيسية في منظومة الأمن القومي المصري، والاستراتيجية الاقتصادية للدولة، ودور القاهرة كقوة إقليمية مركبة.
-
إذا كانت الحروب تشكّل «وجه الأزمة» في إفريقيا، فإن التنمية هي الوجه الآخر؛ الوجه الذي يحاول رؤية القارة كما يجب أن تكون، لا كما هي الآن. وفي عام 2026، تدخل إفريقيا سباقًا محمومًا بين منطقين: منطق البقاء عبر إدارة الأزمات، ومنطق التقدم عبر إطلاق الطاقات الكامنة. وبين الاثنين، تتشكّل خريطة جديدة للاقتصاد الإفريقي تحمل قدرًا كبيرًا من الفرص بقدر ما تحمل من المخاطر.
-
في لحظة فارقة من تاريخ القارة الإفريقية، ومع اقتراب عام 2026، تقف إفريقيا أمام منعطف استثنائي تتداخل فيه الحروب مع آمال التنمية، وتتنافس فيه القوى الدولية على النفوذ، بينما تبحث الشعوب عن الاستقرار والفرص.