البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
أخيرًا يشق فيلم "لا وقت للموت" طريقه إلى عتمة صالات السينما، ليبصر العالم النسخة الجديدة من سلسلة أفلام جيمس بوند، والأخيرة من بطولة دانيال جريج، الذى جسد بوند للمرة الخامسة على التوالى.

كان يفترض أن يتم طرح الفيلم فى نوفمبر 2019، ورغم أنه كان جاهزًا إلا أنه تم تأجيله إلى فبراير 2020 قبل أن تبدأ جائحة كورونا فى تأخير عرض الفيلم، إلى أكثر من موعد بداية من أبريل 2020 وصولاً إلى سبتمبر 2021، ليتأخر عرض الفيلم عامين كاملين.

تمتاز خماسية دانيال جريج عن باقى أفلام بوند فى "أنسنة جيمس بوند" بعد أن كان لوحة مضجرة من الوسامة، ومرافقة النساء، وإطلاق الرصاص بسخاء دون أن يتلقى لكمة واحدة، إذ حرص منتجو السلسلة الأخيرة على أن يتحول البطل القومى البريطانى إلى إنسان من لحم ودم، يصاب ويتلقى علقة كاملة فى كازينو رويال.. يحب ويخسر من يحب ويسعى إلى الانتقام والفهم والغفران، وصولاً إلى علاقته الإنسانية بمديرته فى العمل وغيرها من الملامح الإنسانية غير المسبوقة فى عالم بوند.

وأمام هذا المتغير الجديد فى عالم بوند، كان هنالك عددًا من الملاحظات حول خماسية دانيال جريج، أولاً أن السيناريو دائمًا يحاول استثمار الفيلم الأول بعنوان "كازينو رويال"، وجلب هذا النجاح المباغت الساحق، فالسيناريو دائمًا كان رائعًا وساحقًا مقارنة بأفلام بوند قبل دانيال جريج، ولكنه ضعيف للغاية مقارنة بعالم السيناريو عمومًا.

هكذا وقع النقاد فى أزمة عميقة، إذ أن جمهور أفلام الأكشن والجاسوسية ينظرون إلى خماسية دانيال جريج باعتباره تحفة فنية، بينما لو خرجنا من حيز أفلام بوند تحديدًا لأصبحت تلك القصص عادية جدًا وبها عشرات الثغرات التى لن تلتفت إليها أمام تمثيل دانيال جريج المتقن والموسيقى الخلابة والبنيان الرياضى غير المسبوق لبوند ومشاهد الأكشن، وحتى المشاهد الإنسانية غير المسبوقة لجيمس بوند، وهو يقع فى الحب، ويقرر الاعتزال، ويعشق، وينجب.. بل ويقدم استقالته من المخابرات البريطانية، ولا يحمل لقب 007 وصولاً إلى مصرعه الدرامى.

وكان الملمح الثانى بعيدًا عن ضعف البناء الدرامى، هو محاولة استنساخ جوكر كريستوفر نولان أو الحالة الأناركية التى قدمها الجوكر فى فيلم "باتمان: فارس الظلام" بداية من خافير بارديم فى فيلم "سكايفول" وصولاً إلى رامى مالك فى "لا وقت للموت"، فى محاولة لمحاكاة الأداء الاستثنائى للأسترالى الراحل هيث ليدجر فى فيلم نولان.

ولكن الملمح الأهم هو أن بوند فى الأجزاء الخمس – تقريبًا – يواجه تمرد داخلى فى المخابرات البريطانية، وهو أمر غير مسبوق لا فى عالم بوند أو فى عالم السينما البريطانية أو الغربية عمومًا، إذ تحتفظ المخابرات البريطانية بسمعة صارمة.

MI6 فى خماسية دانيال جريج تعانى من مشاكل جمة، مع تلميح إلى أن المخابرات الأمريكية تعانى الأمر ذاته، ما بين عناصر يتم تعيينها فى الأجهزة الغربية، ثم يتضح أنها عميلة لمنظمات دولية، أو عناصر منشقة عن تلك الأجهزة تصبح من زعامات الإرهاب الدولى، مع إشارة واضحة إلى أن هذا الإرهاب الدولى قد نشأ أولاً داخل المخابرات البريطانية قبل أن يخرج عن السيطرة، ثم – للمفاجأة – يتم تقديم نقد صارم علنًا عبر شاشات السينما إلى الديموقراطية التى أدت إلى انتخاب قادة مدنيين لا يتصرفون بالمسؤولية اللازمة أو الفهم المقدس للأمن القومى إلى درجة أن المخابرات البريطانية كانت على وشك أن توضع فى فيلم سبكتر (2015) تحت إدارة شركة خاصة يديرها شخص من قادة الإرهاب الدولى فى إشارة صارخة إلى محاولات بعض القوى الدولية لـ"خصخصة" أجهزة المخابرات الغربية وإخراجها من دورها القومى والوطنى لصالح رعاية مصالح اقتصادية بعيدًا عن الدور الأساسى لهذه الأجهزة.

وفى الفيلم الجديد، تصل تلك الهواجس إلى الذروة حينما نرى المخابرات البريطانية بالخطأ تطلق فيروس مميت كان الهدف منه فى بادئ الأمر التخلص عبر "الاغتيال الوبائى" من عناصر إرهابية لكى يتحول هذا الفيروس إلى خطر عالمى لولا تدخل جيمس بوند.

هل من الصدفة ان يكون فيلم بوند الجديد عشية وباء كورونا هو عن وباء صنعته المخابرات البريطانية قبل أن يخرج عن السيطرة؟

هل من الصدفة أن فيلم بوند بدون أى سبب حقيقى بعيدًا عن الأسباب الهزلية التى تم الإعلان عنها قد تم منع عرضه بغته فى نوفمبر 2019 بينما كان كوفيد – 19 يجتاح المقاطعات الصينية، بينما بكين تحاول لملمة الأمر بعيدًا عن أعين الغرب؟

وماذا عن تطابق خماسية دانيال جريج مع سلسلة أفلام مهمة مستحيلة خصوصًا فى الأفلام الثلاث الأخيرة؟ هل صدفة أن أهم سلسلتين لأفلام الجاسوسية فى الوقت الراهن، قد تحدثوا بنفس النص والأحداث، عن اختراق داخل المخابرات البريطانية وصناعتها لمنظمة إرهابية دولية – شديدة الشبه بـ داعش والقاعدة – من أجل حماية المصالح البريطانية قبل أن تخرج تلك المنظمة الإرهابية عن السيطرة وتبدأ فى محاولة استغلال فيروس عالمى وصناعة كوارث عالمية ودولية مستغلة منتجات المخابرات البريطانية على وجه التحديد فى هذا المضمار؟

رغم رفضى للطرح الهزلى بأن الغرب يخبرنا مسبقًا عبر أفلامه بما سوف يحدث فى المستقبل، ورغم أن فكرة التمهيد عبر الأعمال الدرامية لبعض الحوادث المستقبلية هو طرح عقلانى وعملى وكل دول العالم تستغل الدراما فى هذا المضمار، إلا أن ما جرى فى أفلام جيم بوند ومهمة مستحيل فى السنوات الأخيرة بكل تأكيد لا يصنف فى درب هذا أو ذاك، ولكن الواضح من طريقة الطرح فى ظل عدم وجود رقابة مركزية فى الغرب على عملية الإبداع أن هنالك عناصر داخل الأجهزة الغربية تحاول أن ترسل إشارة واضحة إلى أنها تعرف هذا السيناريو وتعمل على مواجهته من الداخل.

هذه الإشارة تتضمن أقوال واضحة ومباشرة قيلت فى آخر عملين لسلسلة جيمس بوند:

1 – قادتنا المدنيين المنتخبين لا يتعاونون مع الأجهزة الأمنية بما يليق.

2 – الديموقراطية تفرز قيادات لا تدرك خطورة كشف تفاصيل الأجهزة الأمنية أمام القوى الدولية.

3 – هنالك محاولة لخصخصة المخابرات الغربية، واختطاف دورها الوطنى لصالح جماعات مصالح بعينها تدير الغرب من خلف الستار.

4 – الإرهاب الدولى بدأ من داخل مخابرات الغرب من أجل خدمة الأجندات الغربية.

5 – الإرهاب البيولوجى والأيكولوجى بدأ من داخل مخابرات الغرب.

6 – الأوبئة والكوارث التى يصدح الغرب بأنها سوف تستمر لعشرية كاملة ما هى إلا أسلحة بيولوجية وأيكولوجية فى مختبرات مخابرات الغرب.

هذه الأجندة ليست بالأمر الغريب، إذ أن أقلام غربية قبل أن تكون من الشرق الأوسط قد تحدثت عن الحروب البيولوجية فى سنوات سابقة، وأن الإرهاب الدولى مثل إرهاب الإسلام السياسى واليهودية السياسية والمسيحية السياسية قد صنع على يد المخابرات البريطانية منذ 200 عام على الأقل لإعادة هندسة الشرق الأوسط، ولكن الجديد هو التماهى مع التفسيرات التى قدمتها بعض الأقلام فى العام الأخير حول نشأة كورونا، وما سوف يتبعه من أوبئة أخرى.

وبالعودة إلى الأمور الفنية فى العمل، فإن السيناريو كان أبشع من كل أفلام بوند السابقة، الشرير الرئيسى الذى أدى دوره رامى مالك لا يوجد أى بناء درامى لشخصه، فلا تعرف متى وكيف امتلك كل تلك الثروة والقدرات، وكيف حقق كل هذا الاختراق وكيف بنى وعمل على كل هذا، وكيف ظل شابًا بنفس الملامح والجسد فى تضارب مع الرواية التى سردها عن مقتل اسرته، وعلى ما يبدو أن كاتب السيناريو قد اكتفى بالإطار الإنسانى والتنظير السياسى والأمنى داخل الفيلم ونسى رسم شخصية الشرير الذى يعتبر اهم دور فى الفيلم بعد دور جيمس بوند.

حسنًا فعل القائمون على السلسلة بأن يصبح هذا هو آخر دور لدانيال جريج، رغم قدرته التمثيلية الهائلة إلا أنه سنه وملامحه وجسده كرجل فى الثالثة والخمسين من العمر لم تعد لائقة لجيمس بوند، ويكفى أن هذا هو الفيلم الوحيد لدانيال جريج الذى لم يخلع فيه قميصه حتى فى مشهد الجنس الوحيد بالفيلم، عكس الأفلام الأربع السابقة التى كان يجب أن يظهر جريج بمشهد واحد على الأقل فى البحر أو بالفراش بعضلاته كاملة – بطن وظهر – أما الفرنسية ليا سيدو فقد أصبحت أول بطلة من أفلام بوند تحظى ببطولة فيلمين، وليس فيلمًا واحدًا.

وبالعودة إلى الشق السياسى، فقد بدأ إنتاج الفيلم عقب تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبى صيف 2016 وصعود التيار القومى والفخر الوطنى فى بريطانيا وصولاً إلى تشكيل حكومة من القوميين برئاسة بوريس جونسون، وعلى ضوء تسلم فاشية الصوابية السياسية الشيوعية لهوليود كاملة منتصف عام 2016 بعد صعود المد القومى فى أوروبا وامريكا، كان لازمًا أن يتم معاقبة الأمة البريطانية على صحوتها القومية وفخرها الوطنى عبر حقن فيلم جيمس بوند فخر الأمة البريطانية بسموم الصوابية السياسية.

هكذا يصبح 007 الجديدة امرأة سوداء أشبه بالمتحولين جنسيًا، أما العميل Q الشهير فى سلسلة أفلام بوند فقد أعلن شذوذه الجنسى فى الفيلم حينما كان يترقب وصول شريكه الرجل، أما البطلة الوحيدة التى ظهرت من أصول أمريكية بيضاء، وجسدتها الكوبية آنا دى أرماس، فقد ظهرت بملابس فاضحة وشخصية هزلية مثيرة للسخرية على اعتبار أن هذا النموذج لم يعد مطلوب اليوم فى الغرب بعد أن أشبعونا به طربًا وتمثيلاً زهاء قرن من الزمان!

الإبادة الثقافية لفكرة البطل الانجلوساكسونى وصلت إلى الذروة فى محاولات اسناد السلسلة الجديدة لبوند إلى بطل أسود أو امرأة سحاقية، وهو ما رفضه دانيال جريج بشكل علنى، وهو أمر نادر أن يصرح ممثل فى هذا الزمن بتصريحات مضادة للصوابية السياسية.

ختامًا، قدم لنا دانيال جريج خماسية استثنائية فى عالم الجاسوسية وعالم جيمس بوند، هو أفضل بوند على الإطلاق، وقدم أداء تمثلى ورياضى وبنيان وسيم سوف يظل عقدة حقيقية فى نفس أى رجل شاهد تلك الأفلام الخمس، وآن للبريطانى الرياضى الوسيم الموهوب أن يقدم أعمال تبرز أكثر وأكثر موهبته الرائعة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز