البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
ترصص العالم أمام شاشات التلفاز، وعاد زمن الزعيم الدولى الذى يلقى خطابًا للأمة فتتغير المعطيات والمجريات كافة شرقًا وغربًا.

الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى لحظة إمبراطورية يلقى خطابًا هو الأهم من موسكو منذ عام 1991، يوم الإثنين 21 فبراير 2022.

خطاب مفاده أن "الأمم التى تحترم نفسها لا تنسى تاريخها"، فقدم الضابط السابق فى المخابرات السوفيتية درسًا عميقًا فى التاريخ والجغرافيا والجيوسياسة، وقدم نقدًا تاريخيًا لتجارب فلاديمير لينين وجوزيف ستالين ونيكيا خروشوف فى ابتكار الجمهوريات السوفيتية، ثم انتقل إلى العصر الراهن فى حلة الخبير الاستراتيجى لكى يضع شعبه وشعوب العالم أجمع أمام معطيات الملعب الأوكرانى.

لم تكن تلك هى المرة الأولى التى يتحدث فيها بوتين عن تاريخ أوكرانيا، إذ سبق وأن صرح من قبل أن "أوكرانيا هى فكرة من ابتكار فلاديمير لينين"، وهى فكرة خرجت أثناء الحرب الأهلية الروسية "1917 – 1923" عقب الثورات الروسية الثلاث عام 1917، هكذا خرجت "جمهورية أوكرانيا السوفيتية" إلى كتب التاريخ، أما ما قبل ذلك فكانت تلك المنطقة جزءًا من روسيا القيصرية، تلك كانت خطيئة البلاشفة الشيوعيين. 

وتحاول بعض الأقلام الأوروبية القول أن دولة روس كييف هى مهد الدولة الروسية الأولى، وبالتالى فإن أوكرانيا هى روسيا الأولى ولم يكن ذلك صحيح، فإن من أسس روس كييف كان فى واقع الأمر يحكم أجزاء واسعة من روسيا انطلاقًا من منطقة نوفجورود المهد الأصلى الحقيقى للدولة الروسية الأولى وهى منطقة روسية الأصل وتقع فى روسيا حتى اليوم.

وأوروبا لا تهتم بمصير أوكرانيا قط، فكل ما يهمها هو وقوع الدب الروسى فى المصيدة الأوكرانية، حتى لو قسمت أوكرانيا إلى مئة دويلة، تم إعلان قيام جمهورية دونيتسك الشعبية فى 7 أبريل 2014، ثم جمهورية لوجانسك الشعبية فى 27 أبريل 2014، أثناء الحرب الأهلية الأوكرانية ولم يتحرك الغرب، بل إن روسيا حينما فشلت فى حماية "جمهورية خوركييف" فى أوكرانيا الغربية لم يكن ذلك إلا بسبب عدم رغبة الكرملين فى التوغل غربًا.

عام 2014 انضممت جمهورية القرم وإقليم سيفاستوبول إلى روسيا الاتحادية، هكذا أصبحت أوكرانيا مقسمة إلى 5 دويلات، وما نعرفه باسم أوكرانيا ما هو إلا أوكرانيا الغربية، بينما أوكرانيا الشرقية تحولت إلى جمهوريات مستقلة، وأوكرانيا الجنوبية انضمت إلى روسيا منذ العام 2014.

بل إن رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، طالب منذ بضعة سنوات بجمهورية لقومية المجر الموجودين فى أوكرانيا، وهكذا ظهر مشروع "جمهورية زاكارباتيا" أو "جمهورية مجر زاكارباتيا" ولكن المشروع لم يجد صدى داخل أوكرانيا ولاحقًا حاول الزعيم المجرى تسويق المشروع بحكم ذاتى لعرقية المجر وجنسية مزدوجة!

"بلقنة أوكرانيا"، جرت منذ عام 2014 وليس عام 2022، إذ إن بعض زعماء الغرب يعيشون فى أوهام الحرب الباردة، ويظنون أن تقسيمة أوكرانيا الشرقية بيد روسيا وأوكرانيا الغربية بيد أمريكا هى نفسها تقسيمية ألمانيا الشرقية، وألمانيا الغربية.

ولكن وبينما شبكات المصالح الغربية تدير هذا الصراع المعقد مع روسيا، فإن حكومات الغرب توافق على دورها فى هذا الصراع لأجنداتها الخاصة الهزلية، فالرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لديه انتخابات رئاسية فى أبريل 2022، ويود أن يبدو زعيم أوروبا الجديد عقب تنحى أنجيلا ميركل، بينما رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون هارب من اتهامات حول حفلات السكر والعربدة كما نص محضر جلسة مجلس العموم البريطانى ولازال يخضع للمسائلة حول الأزمة، ويحاول أن يجلب صخب الأزمة الأوكرانية إلى الداخل البريطانى لفرملة الصخب الجارى حول حفلات السكر فى مقر مجلس الوزراء.

أما الرئيس الأمريكى جو بايدن، فقد خاب أمل ناخبوه فى إدارته، بل وأحرق معه ورقه نائبته كامالا هاريس، وينتظر كلاهما انتخابات الكونجرس فى نوفمبر 2022 لمعرفة مدى قدرة تحالف بايدن – هاريس على إدارة المواجهة مع الحزب الجمهورى والتيار الترامبى.

كافة الاحتمالات مفتوحة فى واشنطن، ما بين استقالة وتنحى بايدن عقب الانتخابات لصالح هاريس، أو الاستمرار فى منصبه مع عدم الترشح لانتخابات الرئاسة فى نوفمبر 2024 لصالح هاريس، أو تنحى كلاهما معًا والدفع بمرشح ثالث فى انتخابات نوفمبر 2024.

ومما يوضح تململ التحالف الذى قاده بايدن للفوز داخل الحزب الديموقراطى، أن هيلارى كلنتون قد بدأت فى الظهور بأوساط وتجمعات الحزب بداية من يناير 2022، لا للحشد من أجل الحزب فحسب، ولكن أيضًا الحديث بخطاب رئاسى وسط أنباء عن بدء تكوين فريقها الانتخابى لخوض انتخابات الرئاسة فى نوفمبر 2024 حال تقاعد أو استقالة جو بايدن.

هكذا أصبح لدى حكام باريس ولندن وواشنطن مشاكل داخلية جمة جعلتهم يبحثون عن أزمة خارجية من أجل تحقيق انتصار ما، وأتت أزمة أوكرانيا 2022 على طبق من ذهب، بينما وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس 46 عامًا تقدم أوراق اعتمادها خلفاً لجونسون عبر إعادة بريطانيا الى العالم الأوروبى بالتحرك السياسى فى أزمة أوكرانيا، وهندسة تحركات جونسون فى هذا الملف، والأخير بدوره شغل منصب وزير الخارجية ما بين عامى 2016 و2018 إبان وزارة تريزا ماى ويدرك بالشكل المطلوب.

بينما روسيا تكرر فى أوكرنيا ما فعلته فى جورجيا، حينما اعترفت موسكو بجمهورية أبخازيا، وجمهورية أوسيتيا الجنوبية عام 2008 بعد حرب بين روسيا وجورجيا.

ولعل العنوان الأبرز لخطاب بوتين .. هو أن روسيا لم تنس الإمبراطورية، وأن روسيا تنظر إلى استقلال الجمهوريات السوفيتية باعتباره جمهوريات انفصالية منشقة سوف يتم استعادتها واحدة تلو الأخرى، تأكيدًا لمقولة قالها بوتين فى مناسبة سابقة:" إن استقلال الجمهوريات السوفيتية أدى إلى وجود العديد من الروس خارج الدولة الروسية". 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز