البث المباشر الراديو 9090
إيهاب عمر
إن مجد السينما الأمريكية الحقيقى، وربما السينما الغربية بأسرها، يكمن فى الفترة ما بين أوائل السبعينيات إلى أواخر التسعينيات، مرحلة مارست فيها السينما الأمريكية مدرسة النقد الذاتى للمجتمع الأمريكى والغربى، سواء فى الأفلام الرومانسية أو أفلام الحركة أو الأفلام الكوميدية أو الأفلام التى جمعت بين تلك الأنماط الثلاث.

 

مع مجىء العام 2000 تسلم هوليود بشكل أو بآخر خبراء مشروع القرن الأمريكى وبدأ التمهيد لأحداث 11 سبتمبر 2001، ثم التمهيد لمرحلة الحرب على الإرهاب، ثم ظهرت تقنيات الثورة الصناعية الرابعة ومعها أفلام الذكاء الصناعى، قبل أن يتوصل خبراء هوليود إلى أنه لا داعى لابتكار شخصيات خيالية جديدة لهذه المرحلة وعلينا العودة إلى الحركة الأدبية الأمريكية وتحديداً الأدب المصور، لتبدأ مرحلة الشخصيات الخارقة أو الأفلام المستمدة من الروايات المصورة "كوميكس".

وبحلول العام 2016 والصعود المفاجئ لليمين القومى الأمريكى، تسلم هوليود خبراء الصوابية السياسية حتى لحظة كتابة تلك السطور.

وهكذا يمكن القول إنه منذ العام 1999 وحتى يومنا، راحت الحركة السينمائية الأمريكية تتنقل بين مدارس وأجندات وقواميس "بنك أهداف الرأسمالية النيوليبرالية الدولية" بلا هوادة، وراحت الحركة الإبداعية الأمريكية تخسر براءتها واستقلالها لصالح شبكات المصالح الغربية التى هيمن تمويلها على أذرع الإبداع الأمريكى.

صحيح وسط هذا الصراع الأيديولوجى والحرب الثقافية كان هنالك تجارب خارج تلك الإطارات، ولكنها كانت تجارب محسوبة، تم السماح بها عمداً حتى لا يمل أو يضجر المشاهد الأمريكى والعالمى من شلال الصوابية السياسية الذى يضرب الوعى الجمعى العالمى من كل كتاب وجريدة وشاشة ومنصة وفيلم أمريكى.

ومع التحول الذى جرى لشبكة نتفليكس وإطلاقها المنصة الرقمية عام 2016، لم تخف المنصة الرائدة أجندتها، إذ أن قواميس الصوابية السياسية هى الكتاب المقدس لهذه الشبكة، أو ما يمكن أن نطلق عليه "إنجيل العولمة".

وعلى مدار السنوات السابقة، أبدت نتفليكس شراسة والتزام أيديولوجى هائل بقواميس الصوابية السياسية، واستغلت جيداً فكرة أن الفضاء الرقمى عابر للقارات وقادر على تجاوز خطوط الرقابة السينمائية والدينية وحتى المجتمعية والأخلاقية، وطرحت أعمال جريئة للغاية فكرياً ودينياً.

لذا كان غريباً أن تطل علينا هذه المنصة الرقمية السينمائية على وجه التحديد بنص سينمائى مثل فيلم Don't Look Up والذى يحمل نقداً بل فضحاً صارخاً لشبكات المصالح الغربية أو شبكات الرأسمالية النيوليبرالية الدولية التى تدير العالم من خلف الستار، وبشكل علنى مباشر منذ انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتى.

يتجسد كبار رجال الأعمال الذين يملكون ويديرون شبكات المصالح فى المشهد الأخير من الفيلم حينما يهرب نخبة الأثرياء خارج كوكب الأرض عقب تدميره، ونرى أسماء أصحاب الشركات بشكل رمزى، هذا رئيس شركة نفط وهذا صاحب شركة اتصالات وثالثهم مدير شركة برمجة، وجميعهم مولوا وصنعوا رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية الهاربة معهم.

بيتر آشيروويل الملياردير التقنى ومدير وصاحب إحدى شركات الاتصالات العالمية، نراه كيف يحق له دخول البيت الأبيض على أعلى مستوياته، حتى اجتماعات مجلس الأمن القومى وغرفة هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، كيف لرجل يمثل شبكات المصالح الغربية أو الرأسمالية النيوليبرالية الدولية أن يوقف عملية عسكرية بكلمة واحدة منه إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية، بل وكيف فى أهم اجتماع سياسى حربى أمنى تخوضه تلك الرئيسة، يقوم بمناداتها لكى تلحقه فى الغرفة المجاورة كما لو كان السيد ينادى جاريته فى العصور الوسطى!

كيف هيمنت وسائل التواصل الاجتماعى، ووسائل الإعلام، واستراتيجيات التسويق عبر تلك المنصات الرقمية والإعلامية على الإنسان حتى أصبحت أكبر خطر على الإنسان والإنسانية.

كيف يتم صناعة الحكومات الغربية ورؤسائها على يد شبكات المصالح الغربية، وكيف أن لكل حكومة ورئيس للحكومة أجندة معدة سلفاً على يد الرأسمالية النيوليبرالية الدولية، ورؤساء تلك الحكومات ليسوا المؤامرة بل هم مجرد موظفين عند شبكات المصالح الغربية التى تدير المؤامرة.

كيف أن ما يهم شبكات المصالح الغربية هو خزائن العولمة فحسب، حتى لو تم تدمير كوكب الأرض حرفياً وتمت إبادة الإنسان.

كيف تمت صناعة الأزمات أو عدم صناعتها فى أغلب الأحيان بناء على فضائح شخصية للساسة وزعماء العالم وزعماء شبكات المصالح الغربية، وقام الفيلم بمحاكاة لواقعة حقيقية، حينما حاول الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلنتون خفض الزخم الإعلامى حيال فضيحته الجنسية "فضيحة مونيكا لوينسكى" حينما وافق على مقترح من صقور الكونجرس والحزب الجمهورى لقصف "عراق صدام حسين" لبعض الوقت فى العملية التى أطلق عليها ثعلب الصحراء ما بين يومى 16 – 19 ديسمبر 1998 بل وشاركت بريطانيا فى الهجوم بترتيبات من شبكات المصالح الغربية، فكانت العملية بروفة للعدوان الأمريكى البريطانى لاحقاً على العراق عام 2003.

أما رسم الشخصيات وفريق العمل فقد استكمل مفاجأة نتفليكس، إذ للمرة الأولى منذ سنوات نرى فيلم أمريكى بارز دون كوتة الزنوج أو الشواذ والسحاقيات أو المخنثين، أو المسلمين والآسيويين، غابت المحاصصة العرقية والجندرية والجنسية، ولعبت ميريل ستريب دور جين أورلين رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية فى تلميح صريح أنها السيدة هيلارى كلنتون، ولكنها فى واقع الأمر تجسد جزءاً من نفاق ميريل ستريب الشهير، فالنجمة الأمريكية الفائزة بالأوسكار ثلاث مرات من ضمن 21 ترشيحا، والكرة الذهبية 8 مرات من ضمن 32 ترشيحا، والتى تصنف نفسها باعتبارها جزءاً من "اليسار الأمريكى"، قد لعبت دور وظيفى فى معارضة صعود التيار القومى الأمريكى المناهض لشبكات المصالح الغربية والنيوليبرالية العالمية وألقت أكثر من خطاب حماسى ركيك ضد دونالد ترامب فى المناسبات الفنية، بنفس ركاكة خطابها فى الفيلم وهى تعلن باعتبارها رئيسة لأمريكا عن بدء العملية العسكرية فى محاولة للتغطية على الفضيحة الجنسية.

ميريل ستريب انتقدت ترامب مراراً حول مزاعم لم يثبت صحتها حول التحرش الجنسى، بينما دافعت ستريب مراراً عن المخرج البولندى رومان بولانسكى المدان بجريمة اغتصاب جنسى، وطالبت بإسقاط التهمة والسماح له بدخول أراضى الولايات المتحدة الأمريكية.

وحينما انفجرت فضائح المنتج الأمريكى هارفى واينستين، كان الاتهام واضحاً لميريل ستريب، أنها كانت تعرف أن الرجل تحرش واغتصب العشرات من نجمات هوليود، وأنه أوقف مسيرة فنانات بموهبة وثقل آشلى جاد وميرا سورفينو وهيذر جراهام ووضع قائمة سوداء لعدم منح أدوار لممثلات رفضوا ممارسة الجنس معه، ومع ذلك لم تقم ميريل ستريب بأى شىء حيال ضحاياه بل وافقت على العمل معه مراراً ولسنوات طويلة!

الفنانة روز ماكجاون اتهمت ستريب صراحة بأنها كانت تتستر على فضائح هارفى واينستين، علماً بأن ماكجاون اتهمت هارفى واينستين باغتصابها، وأثبتت التحقيقات حدوث تحرش لـ107 أسماء فى المجال الفنى ما بين ممثلة وكاتبة ومنتجة وعاملة، و20 حادث اغتصاب! بينما ميريل ستريب كانت المتهم الأول بالتستر على كل تلك الحوادث لسنوات، وهى تهمة لم يكن لها عقوبة فى نظر القضاء الأمريكى!

وتأتى جينفر لورانس لكى تلعب دور الثائرة الشقراء كما عودتنا فى أغلب أفلامها، فهى النسخة الثورية من شخصية ماستيك فى عالم الرجال أكس، هى رمز الثورة وقائدتها فى أفلام مباريات الجوع، ولكن تجسيد تناقض الإعلام الصارخ ذهب على عاتق المخضرمة الأسترالية كيت بلانشيت التى لعبت دور مقدمة البرنامج الصباحى الأشهر.

ولعل مشهد سرد سيرتها الذاتية مقارنة بـ سيرة البروفيسور راندل ماندى القادم من القرية كانت تعبيراً صارخاً على تناقض حال الإعلامين حول العالم، إذ كيف لشخصية تمتلك هذا القدر من التعليم والشهادات الجامعية والثقافية واللغات والعلاقات العامة والخاصة، ومع ذلك تقدم هذا المحتوى التافه يومياً وتخدم أجندة سياسية منحطة، كل هذا من أجل المال والشهرة فى تناقش صارخ مع كل سيرتها الذاتية المدججة بالشهادات الجامعية واللغات الحية والثقافات المتعددة.

وبعد غياب عامين، جسد ليوناردو دى كابريو دور البروفيسور راندل ماندى، القروى الذى أبهرته أضواء المدينة وجسد الإعلامية الشهيرة ولقاء رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية.. تنوع وخبرة وتخضرم فى الأداء السهل الممتنع الممتع، يظل هذا الفنان ظاهرة حقيقية لم تنل حظها من الجوائز، ربما لأنه لم يخدم شبكات المصالح التى تدير هوليود بما يجب.

هل تعمل نتفليكس ضد نتفليكس؟ بالقطع لا .. ولكن من حين لآخر تحتاج تلك المنصات ومن يقف خلفها إلى "غسيل سمعة"، ولم يكن هنالك أفضل من نص آدم ماكاى، المؤلف والكاتب والمنتج والمخرج، والممثل أحياناً، من أجل تنفيذ هذا الهدف، ماكاى كاتب ومخرج ومنتج الفيلم سبق له الفوز بجائزة الأوسكار كأفضل سيناريو عام 2016، وترشح للجائزة أكثر من مرة فى فئة أفضل مخرج وأفضل سيناريو وأفضل إنتاج.

ترشح الفيلم لأربع جوائز جولدن جلوب 2022 ولم يظفر بأى جائزة ومن المتوقع إن يحدث الأمر ذاته فى جوائز الأوسكار 2022، الترشيح لحفظ ماء الوجه ولكن الفوز له حسابات أخرى تتعلق بأجندة الصوابية السياسية وسياسات النيوليبرالية الدولية وشبكات المصالح الغربية.

 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز