أحمد محمود
تضطر الأم لترك إحدى بناتها فى ملجأ روسى للأيتام لحمايتها، بعد تعرضها وزوجها للملاحقة من قوات الاحتلال بسبب انتماءات الأب للحزب الشيوعى ونشاطه ضد السلطات، وأظنه هنا ربما يقصد الاحتلال العثمانى، إذ كانت فلسطين تابعة للدولة العثمانية وخاضعة للانتداب البريطانى فى ذاك الوقت، وهو ما قد يفسر نجاحه فى الخروج من فلسطين والوصول إلى إسبانيا، وفى نفس الوقت نجاح زوجته فى الوصول إلى الاتحاد السوفييتى لترك طفلتها فى الملجأ الروسى.
تنفصل الطفلة "دولت" عن أسرتها لأعوام طويلة يتم فيها تنشئتها كفتاة روسية، ثم تلتقيهم بعد أن أصبحت شابة يافعة لا تتحدث العربية، الفيلم حصل على جائزة التانيت الفضى فى مهرجان أيام قرطاج السينمائية عام 2018، ويصف لنا الفيلم تلك المشاعر المختلطة والمربكة للفتاة ولأفراد الأسرة جميعًا فى خط تسجيلى درامى شيق، يمر بتاريخ طويل بالحرب الأهلية الإسبانية والحرب العالمية الثانية والنكبة والحرب الأهلية اللبنانية، وأظنه موضوع يحتاج بحثًا أكبر وربما مقالًا آخر.
هذا العنوان "تأتون من بعيد" هو عنوان معبر أيضا عن الضيوف المشاركين فى الدورة الحادية والعشرين لمهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة، هؤلاء الضيوف قادمون من كل بلاد الدنيا إلى مصر للمشاركة فى هذا المهرجان، الذى تتعاظم سمعته الدولية يوما بعد يوم، ويتضاعف عدد الأفلام المشاركة فيه أكثر وأكثر، ما اضطر هيئة المهرجان إلى تشكيل لجنتى تحكيم، ليتمكن المهرجان من الانتهاء من منح الجوائز فى الوقت المناسب، حيث يشارك هذا العام أكثر من 1500 فيلم من 93 دولة.
جاءت التكريمات أيضًا واعية فى هذا المهرجان الذى يترأسه الناقد الزميل الصحفى عصام زكريا، إذ حملت هذه الدورة اسم المخرجة الراحلة عطيات الأبنودى "سفيرة السينما التسجيلية"، وصاحبة مدرسة السينما التسجيلية الواقعية الشاعرية، لدورها فى إثراء المكتبة السينمائية المصرية بأكثر من 25 فيلما تسجيليا منها "حصان الطين" الذى تم إنتاجه عام 1971 وحصد الفيلم العديد من الجوائز الدولية منها جائزة الميدالية الذهبية فى مهرجان قليبية بتونس والجائزة الأولى فى المهرجان الأول للشباب بدمشق عام 1972 والجائزة الكبرى فى مهرجان جرونوبل بفرنسا فى عام 1973 والميدالية الذهبية من مهرجان مانهايم بألمانيا فى العام نفسه، ومن أعمالها أيضا "أغنية توحة الحزينة" و"سوق الكانتو" و"الأحلام الممكنة" و"نساء مسؤولات" و"الساندوتش"، و"مناظر من لندن"، و"بحار العطش" وغيرها من الأعمال الأخرى.
تم أيضًا تكريم مدير التصوير الكبير سعيد شيمى لما قدمه من أعمال سينمائية تجاوزت الـ100 عمل وهو أول من صور سينمائيا فى الأعماق بمصر، كما اشترك كمصور متطوع فى تصوير أحداث حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر واختير عضوا ورئيسا فى لجان التحكيم السينمائية فى عدة مهرجانات دولية ومحلية، وعضوا بلجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضوا باتحاد السينمائيين التسجيليين المصريين، وصور أفلاما متعددة خارج مصر فى فرنسا وألمانيا وبريطانيا واليونان وغيرها من الدول، وله العديد من المؤلفات السينمائية عن السينما والتصوير، منها "التصوير السينمائى تحت الماء" و"تاريخ التصوير السينمائى فى مصر" و"الحيل السينمائية للأطفال" و"السينما وحيلها الساحرة"، وقد جاء هذا التكريم معبرًا عن التقدير لواحد من المصورين السينمائيين الذين يبحثون عن كل جديد من أجل إثراء السينما وتطويرها.
وقررت إدارة المهرجان أيضًا تكريم المخرج والسينارست اللبنانى "برهان علوية" الذى عمل كمساعد مصور فى التليفزيون اللبنانى قبل أن يدرس اﻹخراج السينمائى فى المعهد العالى الوطنى للفنون المسرحية بالعاصمة البلجيكية بروكسل، وقدم برهان أول أفلامه الروائية عام 1978 بعنوان "كفر قاسم"، وهو الفيلم الذى صنع شهرته فى الأوساط السينمائية، كما كتب وأخرج أول أفلامه الوثائقية عام 1978 بعنوان "لا يكفى أن يكون الله مع الفقراء"، الذى قدمه عن تجربة شيخ المعماريين المصرى حسن فتحى مع عمارة الفقراء، ونال عنه جائزة مهرجان الفن والتراث فى بروكسل مُقدما مصر للغرب فى صورة حضارية تنموية وإبداعية.
وأخيرًا جاء تكريم المخرج الإفريقى الكبير "موازيه نجانجورا" من جمهورية الكونغو الديمقراطية، اهتماما من إدارة المهرجان بضرورة نشر الثقافة السينمائية الإفريقية.
معزوفة دقيقة من الأداء فى مهرجان الإسماعيلية من جميع العاملين والمتطوعين فيه، تابعتها حتى من قبل بدء فعاليات المهرجان، إذ كانت كلمات الدكتور خالد عبد الجليل رئيس المركز القومى للسينما أثناء المؤتمر الصحفى للمهرجان عن فريق العمل الإعلامى والإدارى، وكيف تم إعداد هذا الفريق، سببا فى أن انتبه أكثر إلى هذا الجهد، وهذا النموذج المشرف من الأداء، وأصر على ضرورة تقديم التحية والتقدير لأولئك الجنود خلف الكواليس الذين يجعلون مهمتنا أسهل وأكثر راحة.