البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
لا يمكن إنكار أن مصر تعانى من أزمة فى صناعة الدراما والسينما، هذه الأزمة ربما تتعلق فى الأساس بمسألة الإبداع والثقافة وإدراك الدور الرئيس للدراما والفنون، وهى مسألة ليست جديدة، ولا يمكن إلصاقها بالتطورات السياسية الأخيرة فى المنطقة، إذ أن أزمة صناعة الدراما والسينما، ظهرت قبل ذلك بكثير فيما عرف بمصطلح سينما المقاولات.

ولمن لا يعلم، فقد أنتجت السينما المصرية ما يقرب من مائة فيلم، فى الفترة من عام 67 إلى أواخر التسعينيات، ربما تعد من أفضل ما أنتجته السينما المصرية حتى الآن، منها على سبيل المثال لا الحصر، البوسطجى عام 1968، الزوجة الثانية عام 1967، شيء من الخوف عام 1969، ثرثرة فوق النيل عام 1971، المذنبون عام 1975، السقا مات عام 1977، الحب فوق هضبة الهرم عام 1986، أحلام هند وكاميليا عام 1988، سوبر ماركت عام 1990 واللعب مع الكبار عام 1991، ليه يا بنفسج عام 1993 والمهاجر عام 1994.

حدث التراجع فى السينما المصرية، مع بدء ظهور ما أُطلق عليه، مصطلح السينما النظيفة، هذه الظاهرة أنتجت نخبة عادية من الممثلين، الذين لم يقدموا أفلاما تضاهى الفترة الذهبية فى السينما المصرية، ربما بسبب تراجع مستوى الثقافة الجماهيرية بشكل عام فى السنوات الخمس عشرة الأخيرة، وانصراف وزارة الثقافة عن عمق الثقافة، واتجاه الوزارة للاهتمام أكثر ما يكون بالمهرجانات والفعاليات السينمائية، والحفلات الموسيقية، مع غياب شبه تام لدور قصور الثقافة ومراكز الإبداع الفنى، أو بمعنى أدق غياب مظاهر الثقافة الجماهيرية بشكل عام، حدث ذلك حتى من قبل جائحة كورونا، وتأثيراتها السلبية على الفعاليات الثقافية والفنية المختلفة.

والحقيقة أنه بالنسبة للمهرجانات السينمائية، فإنه لا يمكن نسيان تاريخ مهرجان القاهرة السينمائى، وتأثيره على صناعة السينما فى المنطقة، فى الفترة التى تولى إدارته فيها الكاتب القدير سعد الدين وهبة، هذه الفترة التى جعلت من هذا المهرجان رمزاً للحراك السينمائى فى المنطقة، لكن هذا الرمز تراجع بعد ذلك شيئًا فشيئًا، ولم تتمكن معظم المهرجانات الحالية من استعادته، لأسباب ربما تتعلق بتراجع صناعة السينما فى مصر بالأساس، وهو أمر ينبغى أن تضعه الدولة فى الحسبان، وأن تبحث ضرورة عودة الريادة للسينما والدراما المصرية، من خلال بحث أسباب تراجعها بدقة.

والحقيقة أيضًا أنه لا يمكن تحقيق نهضة سينمائية أو مسرحية، بمعزل عن الثقافة، ولا يمكن تحقيق نهضة ثقافية بمعزل عن الإعلام، كما لا يمكن تحقيق نهضة موسيقية أو فنية، دون الارتقاء بالذوق العام، ولا يمكن الارتقاء بالذوق العام، إلا بالارتقاء بتلك المجالات السابق ذكرها جميعًا، ثم أنه لا يمكن القضاء على التطرف الفكرى والدينى ومكافحة الإرهاب، إلا بالارتقاء بمنظومة الثقافة والعلوم، والفنون والإعلام والسينما والمسرح، وتهيئة المجال العام للإبداع، واكتشاف المواهب والطاقات الثقافية والفنية والأدبية، واستعادة الكيانات الثقافية والفنية لدورها فى تنوير وتثقيف المواطن.

أعتقد أن الدولة فى حاجة ماسة إلى مراجعة أداء وزارة الثقافة، وبحث سبل الارتقاء بالمنظومة الثقافية، فى جميع أنحاء الجمهورية، وأن تعيد الدولة النظر أيضًا فى دور الصحافة والإعلام، وبحث آليات مشروع التنوير الذى تحتاجه الدولة، لتنمية فكر الجماهير، وترسيخ مفهوم المواطنة، والحفاظ على الهوية المصرية، وتنقيتها من المفاهيم الدخيلة، تلك المفاهيم الواردة من الخارج، والتى تحاول النيل من الوسطية والاعتدال الفكرى والدينى.

وأظن أنه يجب أن ينتبه صناع السينما والدراما، وأن تنتبه الدولة أيضًا، إلى أن للممثل دورًا مهمًا وحيويًا فى المجتمع، وأن دوره شديد التأثير على المواطن والرأى العام، وأن للدراما وظيفة يجب أن تٌؤخذ بجدية ووعى، وهو أمر يحمل الممثل مسؤولية جسيمة فى اختيار أعماله، بل وأداؤه وسلوكه وثقافته، وهى مسئولية لا تقل فى جسامتها وخطورتها عن مسئولية الطبيب المعالج، أو المهندس الإنشائى، أو المعلم فى المدرسة، أو أى مهنة تتصل اتصالا مباشرًا بالمواطن، بحيث تضمن الدولة بناء أجيال مستنيرة وواعية أيضًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز