البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
رحل حسن حنفى، المفكر والفيلسوف، وأستاذ الفلسفة الذى ساهم فى تشكيل وعى وفكر الآلاف، وربما مئات الآلاف، ليس فى مصر فقط، بل فى العالم العربى، هذا المفكر والأستاذ الذى كانت أسئلته على قدر هدوئها وبساطتها، تعصف بعقول تلاميذه، وتغيرهم دون أن يشعروا، وتجعل عقولهم فى حيرة وتساؤل دائم، لكنه تساؤل الباحث عن الحقيقة.

رثته تلميذته الشاعرة الشابة جيهان عمر على صفحتها على موقع "فيس بوك" قائلة: حسن حنفى هذا المحاضر الفريد، المفكر الذى يلقى فى وجوهنا الأسئلة منذ المحاضرة الأولى بقسم الفلسفة، أسئلة متوالية صعبة ومتجددة مثل نهر، نحن الذين جئنا من المدارس بعقول رتيبة، تبحث عن إجابات فقط، أصابنا الدوار من هذه الأسئلة التى تدور فى قاعة المحاضرات، تصطدم بالحائط، ثم تعود لتطرق عقول محدودة، لم تتعود إلا التلقين، فننظر فى دهشة وصمت، فيفاجئنا بالسخرية اللاذعة، هذا المحاضر الفريد، يريدنا أن نفكر، أن نبحث عن إجابة قد نجدها أو لا نجدها أبدا.

أضافت جيهان: شاهدت بنفسى قسم كامل تتغير أفكاره وحياته، بسبب محاضرته فقط، يختار المحاضرة الأولى فى الثامنة صباحا، كان يعلم أنه يغسل أدمغتنا فى الصباح، مما علق بها من خرافات الأمس، لأربع سنوات كنا ننتظر ساعتين أسبوعيا من المتعة الصافية، متعة أن تصنع حياتك، ما دمت تملك هذا الرأس، الرأس الذى يسنده بيديه دائما، ربما لأن المعرفة ثقيلة، ولم يبخل بها، كان يعلم تماما ماذا يفعل، ماذا ستفعل الكلمات القليلة والجمل المبتورة التى تبقى فى القلب والعقل؟

روت جيهان عمر واقعة مهمة عن الأستاذ حدثت فى التسعينيات، إذ تم تعيين حارس ضخم يلازمه، حتى يحميه من تهديدات أحد الظلاميين، تقول جيهان: كنا فى حجرته بعد "سيمنار" صغير، وما أن هم بالتحرك، حتى قام الحارس الشخصى ليرافقه كظله، لكنه قال له وهو يربت على كتفه، فلتبق أنت هنا، لا تأتى معى، ثم أضاف ضاحكا بعد أن لمح ارتباك الحارس: أنا لست خائفا من الموت يا أخى، تقول جيهان فى ختام رثائها: نعلم أنك لا تخاف الموت.. بل لعلك تواجهه الآن بالأسئلة.

كان اللقاء الأول، حين التحقت للدراسة بكلية الآداب قسم التاريخ، وفى بداية العام الدراسى، كنت جالسًا بإحدى قاعات الدرس بكلية الآداب، وإذا بالأستاذ يدخل ويغلق الباب خلفه، وامتلأت القاعة بالطلاب، سألت ما الدرس اليوم، فأخبرنى أحد الطلاب أنها محاضرة الفلسفة للدكتور حسن حنفى، قررت أن أنتظر قليلًا لأستأذن منه فى الخروج بشكل لائق، احتراما للمعلم، لكنه حين كتب على "السبورة" فكر شرقى قديم، قررت البقاء، ودراسة الفلسفة بدلًا من التاريخ، والاستمتاع بعلم المعلم وحديثه الشيق، ولازلت حتى اليوم أظن أننى حسنٌ فعلت.

كان ولازال الراحل المفكر الكبير مؤثرًا فى العقل العربى، وفى الأساتذة والباحثين فى الفكر، فى الكتاب والأدباء، بل وربما فى الساسة أيضًا، وقد أثرت مؤلفات الدكتور حسن حنفى التراث وبالتحديد كتاب التراث والتجديد - موقفنا من التراث القديم تأثيرًا كبيرًا فى أجيال عديدة، كما نلحظ مثلا من كتب ومقالات الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، ومحاولته السير على درب أستاذه فى محاولة تجديد التراث، بل إن تلامذته من الأدباء والشعراء تميزوا بقدرة ملحوظة على إثارة العقل لدى قرائهم، وإثارة الأسئلة حول التراث والعقل والنقل.

مثلًا أثار كتاب التراث والتجديد - موقفنا من التراث القديم الذى صدرت الطبعة المصرية الأولى منه عام 1980 - الكثير من ردود الأفعال، وصدرت عدة مقالات لمراجعته والرد عليه، منها مثلا مقال الدكتور عبد المنعم تليمة، التراث والتجديد، نشر فى مجلة فصول، أكتوبر من نفس العام.

كما صدرت مؤلفات بأكملها حول موضوع الكتاب وعدة أعمال أخرى، منها كتاب محمود أمين العالم بعنوان، الوعى والوعى الزائف فى الفكر العربى المعاصر عام 1986، وأيضا كتاب التراث بين السلطان والتاريخ عام 1987 للدكتور عزيز العظمة من سوريا.

لاشك أن الأستاذ الراحل الذى تتلمذ على يديه، كتاب وأدباء وشعراء ومفكرين، وأساتذة جامعيين، وصلوا إلى أعلى المراتب العلمية، وأثرت أفكارهم ليس فقط فى الطلاب بقاعات الدرس، ولكن أيضًا فى الدوريات الفكرية والعلمية والأدبية، والمنتديات العالمية، وهو أمر يستحق أن تنتبه إليه الدولة، وأن تسعى لأن تمتلئ جامعاتها، بأساتذة من شاكلة المعلم الراحل، وأن يحمل المستقبل مزيدًا من الفلسفة، فى الجامعة وفى مؤسسات الدولة أيضًا، وأتمنى أن يتم منح اسم الأستاذ تكريمًا، يليق بما قدمه من فكر مستنير، سواء بجائزة من الدولة، أو بإطلاق اسمه على إحدى قاعات الدرس بجامعته العريقة، الجامعة الأولى والأقدم فى مصر، جامعة القاهرة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز