الدكتور حسن سلامة
فرضت تلك الجائحة حتمية إعادة التفكير فى المسألة الصحية خارج إطارها التقليدى وما يرتبط به من مهن طبية ومستشفيات ومختبرات وصيدلة، خاصة بعدما كشفت يوميات الحجر الصحى عن دور أساسى لهندسة المدن، كمساهم فى جهود الطب الوقائى.
ومع التسليم بأن إعداد المدن لمواجهة الأزمات كان حاضرا باستمرار فى التخطيط الحضرى، فتم تشييد الملاجئ لمواجهة الحروب، وأقيمت منشآت تصريف المياه للوقاية من الفيضانات.. لكن نادرا ما تحضر الأزمات الصحية فى استراتيجية التخطيط وتصاميم المدن على الرغم مما تمتعت به من اهتمام تاريخى فى اوقات سابقة على يد العديد من المفكرين .
ابن خلدون ومناعة المدن ضد الأمراض :
وضع ابن خلدون قبل قرون طويلة شروطا لنشأة المدن وتخطيطها وكان من بين هذه الشروط دون ترتيب مناعتها ضد الأعداء بأن تقع على هضبة وعرة أو بالقرب من بحر أو نهر بحيث يستحيل على مهاجميها الوصول إليها إلا بشق الأنفس، ومناعتها ضد الأمراض بحيث يطيب هواؤها فتتحسن صحة المعتل ولا ينال من سكانها وباء أو مرض، علاوة على توافر المرافق الأساسية فيها من مياه ووقود ومواد بناء ومزارع وغيرها مما يلزم للحياة. وهكذا تصبح مناعة المكان المختار لتأسيس المدن الجديدة ضد الأمراض شرطا أساسيا لدى المفكرين الأوائل وعلى رأسهم ابن خلدون عالم الاجتماع العربى الأشهر، لا يستقيم التخطيط بدونه ولا تصلح المدينة إذا تخلف هذا الشرط.
فالنظر إلى مناعة المدن ضد الأمراض فى هذا الوقت المبكر يعكس إدراكا لأهمية صحة المواطنين باعتبارهم ثروة يتعين الاستفادة منها وتعظيمها والحد من الأخطار التى قد تحدق بها.
جائحة كورونا كاشفة لمناعة المدن
كشفت تداعيات جائحة كورونا عن أن المدن الحديثة ليست مصممة للتكيف مع الجوائح، فعصور الأوبئة، فى نظر المخططين الحضريين، أضحت جزءا من أحداث التاريخ، بفضل التطورات العلمية والطبية وحتى التقنية. قبل أن يكتشف الجميع أن الحقيقة غير ذلك، فقد شهد القرن الحادى والعشرون حتى الآن ستة أوبئة، كان أولها متلازمة الالتهاب التنفسى الحاد ، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وفيروس إيبولا مرتين "2013 و2018"، وإنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير، وأخيرا وباء كورونا المستجد.
وكان وقع هذا الأخير مختلفا على البشرية، قياسا على باقى الأوبئة المحدودة، من حيث الزمان وكذا النطاق. فبدت أحدث المدن العصرية، بما فى ذلك المدن الذكية شبه عاجزة عن التعاطى مع متطلبات أزمة ذات طبيعة صحية، ما فتح النقاش حول قواعد الهندسة والتخطيط وقوانين البناء والتعمير، رغم بعض التحفظ على هذا السجال، بذريعة أن الأوبئة استثناء وليست أصلا.
ومع الأخذ فى الاعتبار أن هذ الدفع قد يكون مقبولا من حيث الشكل، إلا أن الدراسة المتأنية تكشف عن أوبئة كهذه، رغم طابعها الاستثنائى، فخسائرها وأضرارها تبقى غير قابلة للتقييم ناهيك عن صعوبة استشراف المستقبل بعدها .
إغلاق المدن: مناعة أم هشاشة؟
شكل إغلاق المدن والمراكز الحضرية عالميا، تجربة فريدة ومزعجة لسكان المدن، فقد رأى كثيرون مدنهم، لأول مرة فى حياتهم، بعيون مختلفة، فقد كشفت هذه الجائحة عن هشاشة المساكن التى هى أماكن إيواء البشر، فأغلبيتها لا تؤدى دور الملتقى العائلى الذى يحيطه الدفء، بل هى مجرد مخازن بشرية طاردة إذا جاز التعبير.
هذا الاكتشاف أفرز مجموعات من الأسئلة بشأن أسلوب حياة الإنسان الحديث، وحدود الرفاهية فى ظل حياة المدنية، وتبعات هذه الحياة اقتصاديا واجتماعيا وصحيا.. تزامن مع ذلك ما قفز الى أذهان المخططين الحضريين من ضرورة مراجعة قناعاتهم وأفكارهم عن شكل المدينة الجيد، والتفكير فى ابتكار بدائل حضرية، بمقدورها مقاومة أو احتواء الأوبئة.
المدن مخزن للأوبئة:
تاريخيا، قد يجهل كثيرون أن البدايات الأولى للتخطيط الحضرى فى علم العمران، ارتبطت بوباء الكوليرا الذى ضرب مدينة لندن أواسط القرن الـ19. بذلك يكون النقاش حول "المناعة الصحية للمدن" مجرد محاولة لإعادة وضع التخطيط الحضرى على الطريق، بقصد تحقيق الهدف الذى أنشئ لأجله، فالكثافة السكانية كانت على الدوام أحد العوامل المساهمة فى انتشار الأمراض المعدية، و كانت بؤرة انتشار وباء متلازمة الالتهاب التنفسى الحاد فى مجمع سكنى فى مدينة هونج كونج إحدى أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان فى العالم، وتعد مدينة ووهان مكان ظهور فيروس كورونا، أكثر المدن كثافة سكانية فى وسط الصين، وتعد مدينة نيويورك الأكثر تضررا من الفيروس، أشد المدن اكتظاظا بالسكان فى الولايات المتحدة.
وتفيد توقعات الديموجرافيين أن 68 فى المائة من سكان العالم، سيعيشون فى المدن بحلول منتصف القرن الحالى، ما يجعل إعادة تصميم المدن لتصبح قادرة على الصمود فى وجه الأوبئة أولوية ملحة فى المستقبل، حتى لا يتكرر سيناريو جائحة كورونا من جديد، حين تحولت مدن كبرى إلى فضاءات مهجورة، مما نبه إلى ضرورة إعادة النظر فى تصميم البيوت والعمارات، وتحويل فضاءاتها إلى أماكن صديقة للإنسان.
فقد كشف فيروس كورونا عن أن المساكن فى المدينة صممت فى الأصل لتكون محلا للنوم فقط، فإيقاع الحياة المعاصرة يفرض تمضية معظم الوقت فى الخارج، ما جعل البقاء فيها تنفيذا لإجراءات الطوارئ الصحية أشبه بدخول السجن فى نظر أصحابها،
من ناحية ثانية كشف الفيروس عن الحاجة الماسة إلى فكرة الأحياء، بمعناها التقليدى، التى قضى عليها التوجه نحو التركز فى المدن الكبرى، ففكرة تجميع كل مرافق المدينة فى أماكن بعينها، لأغراض راسمالية بحتة ، لها من الأضرار ما يفوق المنافع، فنظام الأحياء فى المدن يتيح تلبية الحاجات الضرورية، دون الحاجة إلى عمليات التنقل عبر وسائل النقل العمومى، ما يخفض من نسبة انتشار العدوى فى المدينة.
ملبورن ومدينة العشرين دقيقة:
حاولت مدينة ملبورن الأسترالية إعادة تجربة الأحياء، تحت شعار "مدينة العشرين دقيقة" فى محاولة تجريبية، يقوم هذا النموذج على ضمان وجود كل ما يحتاج إليه المواطن، من تسوق وتطبيب وتعليم وملاعب وأماكن للتنزه، على بعد 20 دقيقة فقط من مسكنه، هكذا سيساعد توطين الخدمات بالقرب من المواطن، على الحد من استخدام المواصلات العامة، ما يعنى التخفيف من التلوث والاكتظاظ والحوادث.
مناعة المدن: كيف تتحقق؟
نستنتج مما سبق أنه حال التوجه للعمل على تنمية المدن وزيادة مناعتها لاستيعاب الزيادة السكانية المتوقعة، نكون إزاء البحث عن رؤية مغايرة للواقع الراهن المتمثل فى الجهود الحكومية الهادفة إلى العمل على تخليص المدن من العشوائيات وتحويلها إلى مدن آمنة ومستدامة بحيث توفر مساكن كافية لأهلها بأسعار مناسبة مع وسائل نقل حديثة ومساحات خضراء وخدمات حكومية سريعة، إلا أن ما أفرزته أزمة الوباء الفيروسى الأخيرة تتطلب البحث عن رؤى غير تقليدية فى كيفية تخطيط وبناء هذه المدن، إذ أكدت أهمية تضافر أنواع أخرى من التصميمات فى المنظومة التخطيطية لهذه المدن، منها على سبيل المثال كيفية تصميم اتجاهات الشوارع حتى تتناسب مع اتجاهات الرياح لتسير الرياح فى الشوارع كمجارى هواء تتخللها ولا تتصادم معها، وكذلك تصميم شبكات صرف الأمطار وشبكات تصريف السيول وهما مختلفتان، إلى تصميم مسارات السيارات والمشاة والفصل بينهما قدر الإمكا وتعطى التجربة المصرية فى بناء العاصمة الادارية الجديدة مثالا نموذجيا يحتذى فى الاخذ بفكرة مناعة المدن خاصة فى المجال الصحى وهو النموذج الذى يتعين الاقتداء به فى مشروعات بناء المدن الجديدة السكنية الأخرى.
مدن المستقبل.. مدن صحية وتكنولوجية:
لم يكن التفكير فى بناء المدن الجديدة أو مدن المستقبل – عالميا - يأخذ فى الاعتبار كافة الأبعاد البيئية، إذ سيطر على التصميمات الهندسية فى كثير من هذه المدن نموذج المدن الحدائقية، حيث تنتشر الحدائق بين الأبنية السكنية بما يعطى مساحات من تدفق الهواء وحرية الحركة. والحقيقة أن هذا النموذج لم يكن حديثا وإنما يرجع إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن الماضى، فعلى سبيل المثال تم تطبيق هذا النموذج فى تصميم بعض الأحياء القديمة فى مصر على غرار حى جاردن سيتى بوسط القاهرة، إلا أنه ظل مسيطرا على توجهات التخطيط العمرانى كونه النموذج المحقق للمدينة المستدامة حتى ما بعد رؤية الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030، تلك الرؤية التى مثلت الخريطة العامة لكافة رؤى التنمية المستدامة لمختلف بلدان العالم.
ولكن ما يلفت الانتباه فى هذا الخصوص أن فكرة المدن الصحية أو مراعاة الأبعاد الصحية فى تأسيس المدن أو الأحياء لم تحظ بالاهتمام الكبير من جانب المخططين العمرانيين على مدار العقود الماضية، وإنما اتجه فهمهم إلى قضية الاستدامة من خلال البحث عن مجموعة من المعايير المحققة لإنشاء مدن مستدامة، والتى يمكن أن نجملها فيما يأتى:
الهندسة المعمارية، ويقصد بها السماح بوجود التزام لتحقيق الاستدامة، ويشمل هذا الالتزام جميع مراحل البناء مثل: التخطيط والبناء وإعادة الهيكلة، وكذلك إدارة القضايا والموارد البيئية، مثل الطاقة والمياه والمواد، واستخدام الطاقة بصورة أكثر فاعليه، وأكثر كفاءة.
الزراعة، ويقصد بها أن تكون الزراعة فى المناطق الحضرية وسيلة ناجحة لتحقيق نمو غذائى مستدام، حيث ينبغى للمدن تخصيص منطقة مشتركة من الحدائق أو المزارع، ومنطقة مشتركة لسوق المزارعين، لكى تتم زراعة المواد الغذائية داخل المدينة.
مدن للمشاة، حيث يستوجب ذلك إتاحة الفرصة للمشى فى شوارع هذه المدن، والأماكن العامة الأخرى بصورة إيجابية ومتكاملة، وإمكانية التوجه أو العبور عبر مساحة مفتوحة يمكن الوصول إليها بسهولة.
المبانى المفردة، ويقصد بها تحقيق نظام الريادة فى الطاقة والتصميم البيئى (LEED)، حيث يقوم هذا النظام بتقييم المبانى الخضراء ويشجع ويسرع الاعتماد العالمى لممارسات البناء والتنمية المستدامة الخضراء، من خلال إنشاء وتطبيق معايير أداء مقبولة عالميًا.
وسائل النقل، حيث يستهدف النقل المستدام الحد من الاعتماد على استخدام مركبات تسبب ما يعرف بالاحتباس الحرارى، التى تنبعث منها الغازات، من خلال الاستفادة من التخطيط الحضرى صديق البيئة.
وإلى جانب هذه المدن المستدامة وفقا لهذه المعايير، برز كذلك مفهوم المدن الذكية (smart cities) والتى عرفها الاتحاد الدولى للاتصالات بأنها مدينة مبتكرة تستخدم تقنية المعلومات والاتصالات وكفاءة العمليات والخدمات الحضرية، والقدرة على المنافسة، لتحسين نوعية الحياة، وتلبى فى الوقت ذاته احتياجات الأجيال الحالية والمقبلة من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية. وقد تمثلت الركائز التقنية الرئيسية للمدينة الذكية فيما يأتي: تطوير الحوكمة الرقمية، وأنظمة النقل، ونظام توليد الطاقة وشبكة توزيعها الذكية، وتوفير المياه، بالإضافة إلى مبادراتها المتعلقة بجمع البيانات وإشراك الجمهور فى اتخاذ القرارات.
وإذا كان صحيحا أن هذه الركائز سواء فى المدن المستدامة أو المدن الذكية تتعلق بالعمل على حماية البيئة وصونها بما يضمن تحقيق استدامة حقيقية فى مدن المستقبل، وإذا كان صحيحا كذلك أنها تصب بشكل غير مباشر فى سبيل الحفاظ على الصحة العامة، إلا أنه من الصحيح أيضا أنها تغفل بعدا مهما يتعلق مباشرة بالصحة العامة، يؤكد عليه المختصون فى مجال الصحة العامة والطب الوقائى، إذ يرون أن استجابة المواطنين لقواعد الصحة العامة تنجح عندما تكون موجهة بشكل غير مباشر، بمعنى أن تكون سلوكا معتادا للمواطنين جميعا وليس استثناء مرتبطا بحدث معين على غرار المطلوب اليوم من كافة المواطنين للالتزام بحزمة من الضوابط والإجراءات الصحية لمواجهة تفشى فيروس كورونا.
ومن ثم، يبرز مدى تشابك العلاقة بين دور التخطيط العمرانى لمدن المستقبل ودعم السلوك الحضرى الصحى والسليم للمواطنين، من خلال وضع التصميمات الهندسية أو العمرانية التى تتيح لساكنى هذه المدن ممارسة السلوكيات الصحية داخل النطاق العمرانى بشكل عام. وهذا هو المضمون المهم الذى كشفت عنه ازمة الفيروس المستجد وينبغى الاستفادة منه فى زيادة مناعة المدن الجديدة مع الأخذ فى الحسبان احتمالات التعرض لموجات جديدة من الأوبئة غير المتوقعة.