الدكتور حسن سلامة
تلا ذلك موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون بتعديل بعض بنود القانون رقم 149 لسنة 2019 فى شأن تنظيم العمل الأهلى، وتمديد مهلة توفيق أوضاع الجمعيات لمدة عام بعد انتهاء المهلة التى حددها القانون فى الحادى عشر من يناير 2022.
ويتوقع أن يوافق مجلس النواب على مشروع القانون لما يمثله من دعم جديد للجمعيات التى لم تستطع توفيق أوضاعها أو إنهاء إجراءاتها خلال مهلة العام الماضى.
دلالة إجراءات الدولة إزاء الجمعيات :
تعكس كل تلك الإجراءات إرادة سياسية صادقة لدى الدولة لتمكين المجتمع المدنى وتوفير البيئة الداعمة له لممارسة أدواره كشريك حقيقى فى عملية التنمية المستدامة التى تستهدف تحسين جودة الحياة للمواطن المصرى عبر الأجيال فى مختلف المجالات.
كما تعكس هذه الإجراءات أيضًا مبادرة الدولة للتيسير على الجمعيات ودفعها نحو أداء مختلف وأكثر تميزًا لتحقيق أهداف وطنية مشتركة تتركز على الإنسان، وتتحقق عبر الإنسان أيضا مما قد يؤذن ببداية علاقة جديدة بين الدولة، والمجتمع المدنى فى كيان الجمهورية الجديدة قوامها التوازن وتكامل الأدوار.
وتفرض تطورات القضايا، ومسار السياسات العامة فى الوقت الراهن حتمية هذا التكامل بين الدولة والمجتمع المدنى بحكم أن هذا الأخير يفترض أن يكون هو صوت الجماهير خصوصًا تلك الجمعيات القاعدية الأكثر انتشارًا فى المجتمعات المحلية والأكثر تحديدًا لاحتياجات قاطنيها، ومن ثم تعد قناة الاتصال المباشر مع الدولة فضلًا عن كونها العين الراصدة لحجم الإنجاز المتحقق لتلبية المطالب المتزايدة.
ولا يغيب عن ذهن المحلل الفطن أن الدولة – أى دولة – تحتاج دومًا إلى أدوات أو أذرع لتحديد احتياجات المواطنين من ناحية، وتلبيتها من ناحية ثانية ومن بين هذه الأدوات بالطبع ما نطلق عليه على سبيل الحصر القطاع الأهلى أو ما يطلق عليه فى العموم المجتمع المدنى بتشكيلاته المختلفة.
بالتزامن تثير تلك الإجراءات من جانب الدولة تساؤلًا حول المطلوب من المجتمع المدنى "القطاع الأهلى تحديدًا" للاستفادة من تلك الفرصة السانحة خلال عام 2022، وضمان استدامتها خلال الأعوام التالية لتتواصل الشراكة مع الدولة فى مختلف مجالات التطور الإنسانى.
وربما نسعى إلى وضع مجموعة من الإرشادات التى يمكن الاهتداء بها فى تطوير أداء الجمعيات خلال الفترة المقبلة والارتقاء بها شريكًا حقيقيا فى عملية التنمية المستدامة.
المطلوب من المجتمع المدنى للاستفادة من إجراءات التمكين :
• إعادة النظر فى الرؤية التى تتبناها الجمعيات باعتبارها الحلم أو الأمل الذى تسعى إلى تحقيقه، فالكثير من الجمعيات الأهلية تمتلك رؤى على الورق دون أن تجد طريقها إلى الواقع الفعلى، إما لقصور فى الإدراك أو قصور فى الإمكانيات وكلاهما يؤكد أن الأمر بحاجة إلى تصويب.
• الإيمان بأهمية الرسالة التى تؤديها الجمعيات بالنسبة للمستفيدين ودعم فكرة التطوع لصالح النشاط المرجو تحقيقه، فالجمعيات الأهلية هى ظاهرة "ثقافية - اجتماعية" بامتياز، وعانت لفترات من نقص المتطوعين مما مثل تحديا حقيقيا لمواصلة واستدامة عملها وهو ما يعنى ضرورة إعادة تعريف هذا المفهوم ليصبح المتطوع المحترف الذى يحصل على مقابل فضلًا عن رفع الوعى بقيمة التطوع التقليدى لمن يرغب.
• القراءة الموضوعية لقدرات الجمعيات ومدى الاحتياج المجتمعى لوجودها داخل مجتمعاتها المحلية، وتحديد عناصر القوة والضعف داخلها وربط تلك القدرات بالأنشطة المطلوب تنفيذها.
• تبنى مفهوم الديمقراطية الداخلية سواء ارتبط الأمر بتشكيل هياكل الجمعية عبر دورية الانتخاب الحر، أو اتصل بالنقاشات والحوارات ووجهات النظر التى يفترض أن تجد داخل الجمعية ساحة رحبة لاستيعابها جميعا على أرضية المصلحة المشتركة، فالأصل أن تكون الجمعيات مدارس للتنشئة على الديمقراطية لا ساحات حرب أو اقتتال بحثا عن وجاهة اجتماعية أو مصلحة ذاتية.
• حوكمة الأداء عبر الشفافية فى نشر كل المعلومات والبيانات ذات الصلة بأنشطة الجمعية خاصة ما يتصل بمصادر التمويل وتنوعها ومصارفها باعتبار أن التمويل هو غاية لممارسة النشاط وليس هدفًا فى حد ذاته.
• الانخراط فى استراتيجية التنمية التى تتبناها الدولة عبر تصميم مشروعات وأنشطة تسهم فى تنمية المجتمع بصورة واقعية وتنعكس آثارها على المستفيدين وهو ما يرتبط بتحديد موضوعى للاحتياجات المحلية ويرتبط أيضا بالموارد المتاحة أو التى يتم تدبيرها لتلبية تلك المطالب فى تناغم مطلوب مع جهود الدولة فى هذا الإطار وذلك على أساس أن غاية التنمية الحقيقية هى الإنسان.
• إعادة النظر فى تفسير مفهوم التشبيك بين الجمعيات العاملة فى نشاط متقارب لتحقيق الاستفادة القصوى بدلا من التنافس المذموم على كعكة التمويل من الخارج.
• الاستمرار فى عملية بناء قدرات كوادر الجمعيات والاستفادة بهم فى تنفيذ الانشطة.
• دعوة جمعيات المظلة " الجمعيات الكبرى" إلى تبنى الجمعيات القاعدية ودعم قدراتها وإشراكها فى مختلف المراحل بدء من تحديد الاحتياجات والتخطيط مرورًا بالتنفيذ وصولًا إلى المتابعة والتقييم.
• استمرار التواصل مع الجهة الإدارية "الوحدة المركزية للجمعيات بوزارة التضامن والوحدات الفرعية بالمحافظات"، مع الاستيعاب الكامل لبنود القانون ولائحته التنفيذية والالتزام به، وتجنب محاولات التحايل عليه لتعزيز الثقة بين الجانبين.
• مواكبة التطور التكنولوجى وجهود التحول الرقمى لبناء قواعد بيانات محدثة يمكن استرجاعها والاستفادة منها من ناحية وتوسيع قاعدة المستفيدين، خصوصًا من الشباب، من ناحية أخرى.
• محاولة تدبير مصادر تمويل وطنية بدلًا من الاعتماد على التمويل الخارجى سعيًا لأجندة عمل متحررة من سيطرة المانح وتدخلاته وضمانا لفائدة حقيقية للمستفيدين.
• وتبقى هذه الإرشادات، وغيرها كثير، اجتهادًا يستهدف تغيير فلسفة العلاقة بين الدولة والجمعيات خلال مرحلة تدشين الجمهورية الجديدة التى تعكس فلسفات مختلفة فى سائر المجالات فضلًا عما يلزم هذا التغيير من تبنى أسس متينة قانونية واجتماعية وثقافية لمستقبل أفضل.
حفظ الله مصر ورئيسها وشعبها وجيشها.