الدكتور حسن سلامة
البرلمان كمؤسسة يمثل تجسيدا حيا لمبدأ مستقر فى النظم السياسية، يتأسس على فكرة التوازن والفصل بين السلطات، سواء كان هذا الفصل مطلقا أم مرنا حسب انواع النظم السياسية المطبقة.
ومن ثم تحرص العديد من الدول الديمقراطية على رفع كفاءة المؤسسة التشريعية باعتبارها المعيار الحقيقى فى الحكم على استقرار النظام السياسى، وهى الكفاءة ذات الصلة بالوظائف المعروفة من حيث تمثيل الشعب وتحقيق مصالحه عبر تشريعات تطبق على الجميع دون استثناء إلا فى أضيق الحدود ومراقبة تنفيذ السلطات الأخرى وعلى رأسها الحكومة، لتلك التشريعات ومدى جودة السياسات العامة الممنفذة وأوجه الانفاق عليه لخدمة المواطن.
وترتبط هذه الكفاءة أيضا بطبيعة النواب المنتخبين وقدراتهم وتعبيرهم عن الواقع المجتمعى من ناحية، وبالعدد المناسب لهم لتمثيل الشعب وأداء الوظائف بالكفاءة المطلوبة من ناحية ثانية، ومدى قدرتهم على التفرغ التام لأداء مهام العضوية على النحو الأمثل من ناحية ثالثة.
وبالنظر لتلك المكانة الرفيعة التى يحتلها البرلمان، كان من المحتم أن يكون على رأس موضوعات الحوار الوطنى الذى يستهدف رفع كفاءة المؤسسات الوطنية وفى مقدمتها البرلمان. فكان موضوع عدد أعضاء البرلمان زيادة أو ثباتا أو نقصانا، وقضية التفرغ لمهام العضوية من بين أهم الموضوعات التى بحثتها لجنة مباشرة الحقوق السياسية والتمثيل النيابى، والتى تشرف كاتب هذه السطور بالمشاركة فيها.
ونتناول هنا الأفكار الرئيسة التى عالجت هاتين القضيتين على النحو التالى
أولا: قضية عدد أعضاء محلسى البرلمان:
يرتبط العدد الأمثل لأعضاء مجلسى البرلمان المصرى بعدة محددات من أهمها:
• مدى ملاءمة العدد لأداء وظائف البرلمان بالكفاءة المطلوبة
• الإطار الدستورى الحاكم لهذه المسألة
• الخبرة الدولية التى يمكن الاسترشاد بها
• النظام الانتخابى المتفق عليه
• تقسيم الدوائر الانتخابية
• توزيع السكان على المحافظات المختلفة.
ويبدو من قراءة تلك المحددات أن أولها المرتبط بملاءمة العدد لكفاءة المؤسسة هو المعيار الحاكم والذى يتوافق معه باقى المحددات، فليس ثمة محدد وحيد هو الذى يستطيع أن يسيطر وإنما هى منظومة من المحددات المتشابكة مع بعضها البعض وصولا إلى تطبيق المعيار الخاص بكفاءة المؤسسة. بعبارة أخرى فإن المسألة ترتبط بالكيف / بالمنتج / بالمخرج التشريعى وليس بالكم.
ولا ينفى ذلك أن العدد يبقى محكوما بالإطار الدستورى الذى ينص على الحد الأدنى وهو أربعمائة وخمسون عضوا دون وضع حد أقصى مع مراعاة التمثيل العادل للسكان والمحافظات والهيئة الناخبة.
ومع التسليم بأن مصر هى احدى الدول التى تشهد زيادة سكانية مطردة كما أنها تشهد نهضة عمرانية مترامية الأطراف بما يستدعى إعادة النظر فى نسب التمثيل، إلا أن إعادة النظر تبقى محكومة بفعالية الأداء أى مراعاة أن تكون الزيادة – إن تمت – مكافئة للأداء البرلمانى المطلوب والذى يصب فى صالح المواطنين.
يرتبط بما سبق أن الخبرات الدولية تشير إلى أن مصر من أعلى نسب التمثيل البرلمانى فى العالم حيث يمثل النائب الواحد نحو 170 ألف نسمة تقريبا وهى نسبة مرتفعة مقارنة بأقدم الديمقراطيات فى المملكة المتحدة. ومع الأخذ فى الاعتبار أعداد السكان فى الدول المختلفة ومراعاة لمعيار الكفاءة يصبح إعادة تقسيم الدوائر – وليس زيادة عدد الاعضاء – هو الحل الأمثل فى الحالة المصرية حيث يتم تقسيم الدوائر الفردية مثلا التى يمثلها أكثر من نائب إلى اكثر من دائرة وهنا تصبح نسب التمثيل اقل عدديا وأعلى كفاءة.
لا تنفصل مناقشة مسالة عدد أعضاء مجلسى البرلمان لاسيما مجلس النواب عن طبيعة النظام الانتخابى المتبع ومع الاقرار بأن الدستور المصرى الصادر عام 2014 يفتح الباب أمام نظم متعددة، فالقول الفصل فى حال الإبقاء على النظام الانتخابى الحالى مقسما مناصفة بين القائمة المغلقة المطلقة والنظام الفردى، هو الإبقاء أيضا على عدد أعضاء مجلسى البرلمان كما هو دون زيادة أو نقصان. فالعدد الحالى والنظام الانتخابى الحالى متلازمان ويحققان الهدف من تعزيز كفاءة البرلمان دون تحميل الدولة أعباء مالية إضافية غير مطلوبة فى الوقت الراهن مع مراعاة أن الزيادة العددية المقترحة قد تكون طفيفة لا تؤثر إلا فيما يتعلق بتمثيل المجتمعات العمرانية الجديدة فقط.
وتبقى الإشارة هنا إلى حتمية التمييز بين الدور المنوط بعضو مجس النواب أو عضو مجلس الشيوخ تجاوزا من تمثيل المواطنين ( كل المواطنين ) وسن التشريعات والرقابة على تنفيذها، خلافا للوظيفة التى يناط بها عضو المحليات من كونه الأكثر التحاما بهموم المواطنين اليومية ومتابعة الخدمات اللازمة لحياتهم ومعيشتهم، فالاأدى هنا هو الإسراع بإجراء الانتخابات المحلية حتى يتفرغ نواب البرلمان لمهامهم الأساسية بدلا من السعى الحثيث لكسب ود الناخبين من خلال الاستجابة لطلبات الخدمات على حساب التشريع والرقابة.
ثانيا: قضية تفرغ أعضاء البرلمان لمهام العضوية:
يحسم هذه القضية التفسير الدقيق لنصوص دستور 2014، خاصة المادة 103 التى تقضى بالتفرغ التام لمهام العضوية على أن يحتفظ للنائب بوظيفته أو عمله. فالنص الدستورى شديد الوضوح من كون التفرغ حقا للنائب وليس واجبا عليه فقط. فالمناقشات الدائرة تذهب، عن حق، إلى وجوب التفرغ التام لمهمتى التشريع والرقابة باعتبارهما من أهم واجل المهام التى يمكن أن يتحمل بها النائب (نائب الأمة) وهو التفرغ الذى يحقق فضيلتين أساسيتين تعززان من كفاءة البرلمان:
• أولهما: منع تضارب المصالح فمن غير المتصور عملا أن يستطيع أحد العاملين فى وزارة ما، بعد نجاحه نائبا واستقراره فى عمله، أن يحاسب الوزير الذى يعمل تحت رئاسته، فالاستقلالية فى أداء الدور النيابى من أهم معززات كفاءة البرلمان كمؤسسة.
• ثانيهما: فكرة تمكين وزيادة قدرة النائب، حال تفرغه، على أداء مهمته التى سيكون منصرفا لها تماما بدلا من الانشغال بين أكثر من مجال مما يؤثر على كفاءة الأداء.
إن دستور 2014 بنصوصه قد حسم، ولا مجال للجدل، مسألة التفرغ التام باعتباره حقا للعضو ينبغى أن يمارسه وأن تعاونه المؤسسات المختلفة على ممارسة هذا الحق، فهذا التفرغ التام يمنع تكرار الأخطاء التى كنا نتابعها فى سنوات سابقة، خاصة فى ظل دستور 1971 عندما كان يترشح الوزراء، وهم فى وظائفهم، وغيرهم من كبار العاملين بالدولة ويستمرون فى سلطاتهم ومواقعهم أثناء الترشح.. ومعهم جميع الصلاحيات والسلطات، ليخوضوا الانتخابات مسلحين بقوة السلطة وإمكاناتها فى مواجهة باقى المرشحين، والنتيجة الحتمية هى الفوز الساحق، وربما رغم إرادة الناخبين، وبعدها يصبح عضو الحكومة أو المسئول فيها، نائبا فى البرلمان لتراقب الحكومة نفسها فى ذات الوقت، وهى حالة من التناقض البين، إذ يجمع النائب بين سلطات الوظيفة وصفة العضوية، مع الأخذ فى الاعتبار أن نصوص الدساتير السابقة منذ الخديوى توفيق عام 1882 وبعدها فى دساتير 23، 56، 58، 64 كانت تؤكد على عدم الجمع بين الصفة النيابية، والوظيفة العامة.
ختاما فان القضيتين، على أهميتهما، تستهدفان عبر النقاش العام تعزيز كفاءة مؤسسة البرلمان فى أداء وظائفها الرئيسة من التمثيل والتشريع والرقابة وهى الوظائف التى يتعين أن تكون نصب أعين جميع المناقشين دون التفات لمصالح شخصية أو حزبية وصولا إلى هدف الحوار من الاستفادة من كل الأفكار والبدائل لبناء مؤسسة برلمانية ذات كفاءة وقدرة عاليتين.