حنان أبو الضياء
المتشككون من مدى أهمية التأثير الإعلامى على الشعوب عليهم الرجوع إلى مذكرات جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازى الذى عبّر عن إحباطه فى مذكراته فقال: متى يستسلم هذا المخلوق تشرشل ؟ إنجلترا لا تستطيع الصمود إلى الأبد!؛ فرغم استمرار حملة القصف الوحشى التى شنتها ألمانيا ضد بريطانيا ولكن كانت هناك خطب تشرشل الرنانة وما استاء منه جوبلز أكثر من عناد رئيس الوزراء البريطانى أن قوته تكمن فى الإقناع.
ففى كل مرة دخل فيها تشرشل إلى موجات الأثير كان الأمر كما لو كان يضخ مباشرة شجاعة مليئة بالأدرينالين فى الشعب البريطانى، والأسوأ من ذلك أن جوبلز كان يعلم أن أعداد متزايدة من الألمان بدأت فى الاستماع إليها أيضًا، مما جعله يعتبر كل من يستمع إليها خائن بل وكان مصممًا على سحق من يسميهم "مرتكبو خطيئة الراديو" معلنًا أن كل ألمانى يجب أن يكون واضحًا فى ذهنه أن الاستماع إلى هذه البرامج يمثل عملاً تخريبيًا خطيرًا.
الكلمات والأفكار التى طرحها تشرشل هى ما كان يخشاه جوبلز بحق ببصيرة مستمدة من استخدامه للرأى العام كسلاح، فهى التهديد الأعظم الذى وحد الغرب فى دفاع حازم ضد الهيمنة النازية.
وسط هذا الجحيم المضطرب مع عدم وجود مكان آمن أو مقدس، مع سقوط قنبلة حتى على قصر باكنجهام، أصبح صوت رئيس الوزراء الجديد منبعًا مطمئنًا للأمل والعزيمة، حيث لم تفشل خطاباته فى تلبية مطالب المناسبة، فكل واحدة أقوى إثارة من سابقتها، أعلن تشرشل نفسه: "يجب أن نكسب هذه الحرب"، فعلم تشرشل الشعب البريطانى فن عدم الخوف.
والوقائع التاريخية تؤكد أن إدارة الإعلام فى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية أنقذت الحضارة الغربية من حافة الهاوية وتركتها حرة لمواصلة القتال، من خلال الاستخدام الماهر للمعلومات والوثائق والتى كانت لا تقل أهمية عن خطب تشرشل المثيرة والمحسوبة بعناية والتى استقبلتها الشعوب على جانبى المحيط الأطلنطى.
وأخيرا عندما ننظر إلى التاريخ، علينا تعلم إن الأحداث الأكثر دراماتيكية خلقتها الكلمات بين الأقوياء والضعفاء، القصص الصغيرة التى يستخدموها للتأثير على الشعوب والتى تجعل القلوب تتسابق من أجل تحقيق الانتصارات، وهذا عكس ما نفعله الآن على طول الخط فإعلام التريند تأثيره يدمر ولا يخلق حائط صد منيع من الجبهة الداخلية.