ماجدة محمود
فى هذه المرة لم يكن "جدى" برفقتها، وعندما وقعت على الأرض وجدت رجلا مصريا شهما أسرع ناحيتها وحملها جانبا، ونقلها إلى المستشفى، ولم يتركها حتى وضع الجبس فى ساقها، واصطحبها مرة أخرى إلى الكعبة، ودفع نفقات المحمل، وأدت الطواف، ورافقها حتى السكن، ورغم وجود صديقات مصريات متزوجات من أشقاء سعوديين، وأيضا رغم وجود صديقات سعوديات لها حضرن جميعا للوقوف بجانبها، وتقديم العون، إلا أنه لم يتركها، خصوصا وأنها كانت على نفس الطائرة العائدة إلى الوطن، وفى مطار القاهرة لم يطمئن حتى التقى ابنتها "والدتى" وجدى، وسلمها لهما.
الرجل المصرى الشهم، هو مداح النبى الفنان العظيم الراحل "محمد الكحلاوى" صاحب الأغنية الشهيرة "لاجل النبى".
وتدور السنون، واسمع صوت الابنة الدكتورة الإنسانة "عبلة الكحلاوى"، صاحبة دار "الباقيات الصالحات"، تصرخ ألما وحزنا، تصرخ فى محاولة لاستعادة الإنسان بداخل الأبناء الذين فقدوا الرحمة والعطف وكل المعانى النبيلة، كان ذلك العام الماضى عندما ضرب فيروس كورونا العالم كله، وأصابه فى مقتل، وبالتالى طال مصرنا، إلا أننا نختلف فى تراحمنا وتعاطفنا وترابطنا، أليس هذا ما أوصانا به رسولنا الكريم؟
الصرخة كانت استغاثة بسبب أبناء فقدوا كل معانى الإنسانية، عندما أصيب عدد من نزلاء الدار بالفيروس، وحفاظا على الأرواح، وبعد الاطمئنان من خلو الباقين من المرض، طالبت الأبناء بتسلم ذويهم حتى تمام شفاء المصابين على أن يعودوا بعدها لسكنهم بالدار، إلا أن الأبناء، وبشكل قاسى على أى نفس، رفضوا تسلم الكبار فى حالة من نكران الجميل لمن حملوهم صغارا.
رفضوا أن يحتضنوهم كبارا فى ظروف استثنائية، ولفترة مؤقتة، وليس بالضرورة أن يقيموا معهم فى نفس السكن، كان يمكن استئجار سكن مؤقت لهم مع من يرعاهم حتى موعد العودة.
هذا المشهد وقتها هزنا جميعا، وصرخنا معها بأعلى صوتنا: "ارحموا من فى الأرض".
ومن منطلق المسؤولية، تحملت الدكتورة عبلة، وتغلبت على الموقف الجارح، وسارت فى طريقها تكمل مسيرتها الإنسانية، التى كان والدها، رحمه الله، ينتهجها فى حياته، وهذا ما دفعنى لسرد قصة جدتى التى بادر بمساعدتها دون سابق معرفة، وليس لكونها مصرية فى غربة بمفردها لكن لكونها إنسانة، ولو كانت سيدة أو رجل من أى جنسية أخرى، لما توانى عن تقديم المساعدة، ولهذا كانت الابنة على نهج الوالد تسير.
الدكتورة عبلة الكحلاوى، ابنة منشد الرسول "صلى الله عليه وسلم" كانت تتواصل مع من يطلب منها المشورة، وتخرج لمساعدة الآخرين، وتقدم فقها راقيا، انطلاقا من مبدأ الدين المعاملة، كانت "وآه وألف آه من كانت" - من قسوة الفراق - نموذجا مشرفا للداعية المجتهد، لم تدعى المعرفة بكل الأمور بل كانت تبحث وتتدبر وتراجع وتذاكر حتى آخر وقت، ظلت ترعى مشروعها الإنسانى "الباقيات الصالحات"، حتى بعد إصابتها بالفيروس اللعين، الذى غيبها عنا، لكنها إرادة الله أن يسترد وديعته.
رحم الله الفقيدة.. وعزاؤنا أن عملها الصالح باق فى "الباقيات الصالحات".