البث المباشر الراديو 9090
ماجدة محمود
كان يا ما كان فى سالف العصر والأوان، كتير من الأعمال يمارسها أهل مصر الكرام، وظائف احتاجها الناس لقضاء حوائجهم، من بينها ونتيجة لانتشار الأمية فى هذه العصور مهنة "العرضحالجى"، وأصل الكلمة مشتقة من عرض وحالة، فكانت تنطق هكذا، وكمان كشك "الغلباوى"، الذى كان يحل محل المحامى فى وقت لم يكن هناك مدرسة للحقوق، أو جامعة لها وكان المثل السائد فى القرن الـ18 وتحديدا قبل عام 1868م مع وجود مهنة الغلباوى: "إن كنت على البراءة ناوى روح للغلباوى".

والغلباوى شخص مشاكس ومكابر يدافع عن حقوق المظلومين وينتصر لهم، يجيد كتابة التظلمات والالتماسات والعرائض للمواطنين وغالبا ما يكون الغلباوى أزهرى عالم بالقوانين الشرعية والعرفية، إضافة إلى تمكنه من استخدام اللغة والمجادلة، أى فصيح لأنه كان يقوم بمهام المحامى إلى الدرجة، التى كان يصل فيها إلى أقصى درجات المشاكسة أمام القاضى فيحكم القاضى ببراءة المتهم وحبس الغلباوى.

أما عن تاريخ إنشاء كلية الحقوق جامعة القاهرة، كان عام 1868م، وانضمامها للجامعة المصرية عام 1925م، وكانت بداية تسمى مدرسة الإدارة والألسن، ثم انفصلتا وتحولت فيما بعد مدرسة الإدارة إلى مدرسة الحقوق، لكن الجميل فى حكايتنا والذى يؤكد على عظمة المشهد الذى عشناه منذ أيّام "موكب المومياوات الملكية" أن مهنة المحاماة مارسها أجدادنا الفراعنة قبل الميلاد وتحديدا عام 2778ق.م. والذى تأكد من خلال الرسوم الموجودة على جدران المعابد ويظهر فيها مجموعة من الأهل يقدمون المشورة للمتخاصمين، أيضا فى عهد حمورابى كان لكل خصم فى خصومة جنائية أو مدنية، الحق فى توكيل من ينوب عنه للمطالبة بحقه فى تعويض أو براءة، ويذكر التاريخ الفرعونى أن أول تداول لمصطلح "من يستنجد بالناس" أى صديق يساعد الناس، ويعنى المحامى فى عصر الإمبراطورية الإغريقية الأولى، وأول نقابة لـ "الوكيل المدنى أو الوكيل بأجر أو عمولة" عن التجار والصناع.

وأصبح من حقهم تكوين رابطة، ويذكر أن الدولة العثمانية، أول من وضعت نظام وكلاء لدعاوى، أما أول تنظيم للمحاماة كان فى العصر الإسلامى، وظهرت مهنة المحاماة فى مصر عام 1884م تحت مسمى "الوكلاء"، وإجازة توكيل الخصوم لغيرهم شرط تمتعه بسمعة حسنة وفصاحة فى الكلام، بعدها بعام أنشئت المحاكم الأهلية والمختلطة.

أعود إلى مهنة الغلباوى، التى لم يعد لها محل من الإعراب مع وجود كليات الحقوق وخريجيها الدارسون خاصة مع اشتراط الحصول على ليسانس الحقوق شرطا للوكالة، ومع تنظيم مهنة المحاماة لجأ عدد من الغلباوية إلى كتابة الرسائل للناس، نظرا لتمتعهم بالفصاحة والقدرة على نظم النثر فى جملهم وهو ما يحبه المصريون، خاصة مع انتشار الأمية بينهم، إضافة إلى العمل على حل المشاكل الأسرية.

ومع الغلباوى لا خلاف على الحساب لأن الأتعاب حسب التساهيل: فراخ ماشى، الفاكهة صحة، العيش لا غنى عنه، المهم ياخد الأتعاب بعد البراءة من الاتهام، وكان يعلق خلفه لافتة كتب عليها "الدفع بعد البراءة والفرج"، ولأنه مشهور بمعسول الكلام كانت تقصده البنات لكتابة رسائل الغرام، ووصف حالهن بسبب الهجر والبعاد، ولا يمكن تكون لغيره مهما طال الزمان، يعنى العنوسة شعار ما دام الحبيب مرفوض من الأهل والخلان، وخلاصة الحكاية أن الغلباوى لسة عايش معانا، ولما نقابل شخص كبير كان أم صغير طليق اللسان لا يتوقف عن الفصاحة فى الكلام، ولو صاح الديك مرات ومرات نطلق عليه غلباوى، أى لا يغلبه أحد فى معرفة أو حديث، ومن هنا سارت المهنة صفة حميدة، ولكل غلباوى أقول: «أنا عندى بغبغان، غلباوى بنص لسان، بيحفظ اللى أقوله، أصبح ألقاه بيقوله ويعيده لوحده كمان، زى التلميذ الشاطر ما يذاكر الامتحان، والغلباوى يكرم فى كل مكان»، والسؤال.. انت غلباوى ولا؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز