ماجدة محمود
"وشىء لزوم الشىء"، طبعًا هناك من سيسألنى، ألم تقرأى عن سيوة؟ وأُجيب: معلومات بسيطة، قديمة ليست من بينها المسافة، ثم أن العرض جاء سريعًا وليلة السفر، المهم غادرنا التاسعة مساءً ووصلنا سيوة فى الصباح الباكر.
بمجرد وصولى، وكما يفعل الأطفال ضربت بقدمى الأرض وقلت عايزة أنام، وبالفعل ذهبت فى نوم عميق واستيقظت الرابعة عصرًا، وإذا بالمشهد غاية فى الروعة، المكان يعيدك لعصور ما قبل التاريخ، الكوخ، السرير القش، اللمبة الجاز، الطوب النى، أسحرٌ هذا؟ ثم بمجرد أن تفتح باب الكوخ تقابلك البحيرة بكل جلالها تغوص فى بركة من الفضة.
"الملح" القرية التى نزلنا بها تقع وسط بحيرة مالحة، فسيوة تنتشر بها البحيرات المالحة، وتنتج الملح بكميات كبيرة، وكى تصل إلى داخل القرية تسير على مدق طينى، الهدوء والهواء النقى أهم ما يميزان المكان.
وفجأة يحين الغروب، فترى الشمس تتوارى خلف البحيرة فى خشوع وكأنها تؤدى صلوات، وفى كل ركعة ترى صفحة الماء وقد تغير لونها من الفضى إلى الوردى حتى تحين لحظة السجود فترى المشهد العظيم وقد تغطى سطح البحيرة باللون الأحمر القانى، لحظة الوداع، الرحيل، إلى حين لقاء فى شروق اليوم التالى عندما يأذن المولى عز وجل.
لقد سافرت كثيرًا داخل مصر وخارجها، ولم أر لمشهد الغروب هذا من مثيل، فقد صورت السينما الغروب وكذلك الدراما التليفزيونية صورته، ولكنى لم أر له مثيلاً وأراهن، وعندما قلت لصديقتى الكاتبة الصحفية إيمان إمبابى سأحاول أن أكون متواجدة غدًا بإذن الله فى نفس المكان لأرى هذا المشهد مرة أخرى وأملى عينى به، وبالمناسبة إيمان تتردد كثيرًا على سيوة ولها كتب عنها وصحبتها تهون عليك مشقة الرحلة وتنسيك متاعبك ردت ضاحكة، غدًا الغروب شكل تانى، وكل يوم مختلف عن اليوم الذى يسبقه، ولا نعرف لهذا سببًا.
قد يتكرر هذا المشهد لكن ليس بالضرورة غدًا، لكن المؤكد أن فى كل غروب لوحة إبداعية لا تقل فى قدرتها عن الأخرى، وحين تترك المكان الذى تقيم فيه، شاليه كان أو أوتيل، وتنزل إلى البلد والأماكن السياحية بها فحدث ولا حرج سترى عجب العجاب من الآثار التى تتمتع بها سيوة، بداية من شالى القديمة، مرورًا بعين كليوباتر وجبال الموتى، وجبل الدكرور، ومعبد آمون "معبد التنبؤات"، إضافة إلى السياحة العلاجية سواء بماء العيون المنتشرة هناك أو "الدفنة"، وهى العلاج بالرمال والتى تتميز بها سيوة والوادى الجديد فقط، وينصح بالسفر الى سيوة فى شهر اغسطس وسبتمبر من أجل "الدفنة" ولنا حديث مفصل عنها.
ولمن لم يزر سيوة أو يقرأ عنها، فشالى هذه هى المدينة القديمة التى أنشأت فى العام 500 قبل الميلاد وبيوتها منحوته فى الجبل، وجبل الموتى أطلق عليه هذا الاسم لاحتواءه على مقابر الفراعنة، اليونانيين والرومان.. أما "معبد التنبؤات" فهو المعبد الذى شهد تتويج الإسكندر الأكبر فى محاولة منه للتقرب إلى الشعب، وعين كليوباترا بمائها العذب الذى يشفى البدن العليل، وكيف كانت كليوباترا ملكة مصر تأتى فى موكب مهيب الى هذه العين الهادئة التى تحيطها أشجار الزيتون والتمر من كل اتجاه وتخفيها عن الأنظار طلبًا للراحة والاستجمام، وعلى نهج الملكة تسير بنات سيوة فلا يفوتهن الذهاب بانتظام إلى عين كليوباترا والعيون الأخرى الكثيرة المنتشرة بالواحة طلبا للجمال والإستجمام كما ينصحن به كل زائرة وزائر إلى هناك، لكنه بحاجة الآن إلى الرعاية والتجديد حفاظًا على هذا التراث العظيم.
هناك أيضًا بحيرات الملح التى تميز سيوة.. إذ يتم إنتاج 20 مليار طن من الملح يدخل فى صناعات مختلفة، خصوصًا أن الملح يدخل فى 14 ألف صناعة، أما كهف الملح فهو "واحة الراحة" حجرة على شكل كهف مغطاة بالكامل بالملح الصخرى الذى يحتوى على 40 عنصرًا منها اليود، الحديد والمنجنيز، ويفترش الملح الخشن الأرض بكاملها وما عليك إلا أن تدخل إلى الكهف بشرط أن تترك همومك على بابه وتغلق تليفونك المحمول، حيث تصنع لك حفرة ترقد فيها وتغطى تمامًا بالملح عدا منطقة الصدر مسترخى، الإضاءة خافتة والموسيقى ناعمة، فقط عليك ممارسة تمارين التنفس شهيق عميق وزفير بطىء، 45 دقيقة من الانفراد مع النفس بمعزل عن كل العالم تخرج بعدها مستشعر راحة نفسية غير عادية ألم أقل أن سيوة واحة الراحة والجمال المنسى.