البث المباشر الراديو 9090
ماجدة محمود
إيمانًا بقدراتها، وتقديرًا لعطاءتها، وتحقيقًا لأحلامها، كان القرار الشجاع من الرئيس السيسى بالتحاق المرأة المصرية بهيئة قضايا الدولة والنيابة العامة مع اعتبار الأول من أكتوبر عيدًا للقضاء.

ما يقرب من 72 عامًا، والمصرية تكافح من أجل حصولها على هذا الحق الذى لا يمنعه شرع أو قانون، لكن ماذا نقول عن عقول كانت تنظر للمرأة نظرة دونية، وأنها منتقصة، إلى أن نصفها السيسى كعهده معها دائمًا.

وكما ذكرت أن الشريعة الإسلامية لا تمنع تولى المرأة منصب قاضية، ما يؤكد ذلك الفتوى التى أصدرتها المؤسسة الدينية فى مصر عام 2002م من كل من الدكتور محمد سيد طنطاوى، رحمه الله، شيخ الأزهر السابق، والدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالى، والدكتور محمود حمدى زقزوق، رحمه الله، وزير الأوقاف الأسبق، عندما خاطب وزير العدل الأسبق المستشار فاروق سيف النصر هذه الجهات مجتمعة من أجل معرفة الموقف الشرعى من قضية تعيين المرأة فى القضاء.

وجاء نص الفتوى كالآتى: لا يوجد نص صريح قاطع من القرآن الكريم أو من السنة النبوية المطهرة يمنع المرأة من تولى وظيفة القضاء، ورغم ذلك كانت تواجه بالرفض من بعض القضاة بحجة مخالفة هذا الأمر للشريعة الإسلامية، رغم أن المرأة فى عصر الرسول "ص" كان يستعين بالسيدات فى أخذ الرأى، وتم تعين قاضيات حسبة فى عصر النبوة منهن "سمراء بنت نهَيك الأسديّة"، وفى عهد الخليفة عمر بن الخطاب تم تعيين أول قاضية فى الإسلام هى "ليلى بنت عبدالله العدوية القرشية" التى لقبت بـ الشفاء، كانت معلمة وطبيبة وراوية حديث.

وإذا عدنا بالتاريخ إلى 7 آلاف سنة نجد أن المحكمة العليا فى مصر القديمة التى ترمز إلى العدالة وقيمها تتربع على رأسها سيدة أخذ اسمها كرمز للقانون فى مصر هى "ماعت"، والتى تتكرر رموزها فى أركان المعابد وآثار مصر بأشكال مختلفة، وأيضًا فى العصر القبطى الذى بلغ فى مصر 6 قرون كانت هناك قاضية  اسمها "جبورة" حاكمت الحاكم العسكرى المحتل وحكمت عليه بالإعدام ما أدى إلى قيام الثورة فى مصر، وتعد القاضية الثانية فى تاريخ مصر.

أودّ أيضًا أن أؤكد حقيقة هامة كنت قد كتبتها فى مقال سابق بمجلة حواء ذكرت فيه أن أول قاضية بالوطن العربى هى "أنصاف البرعى" ابنة المنصورة التى تخرجت فى كلية حقوق القاهرة، ثم تعرفت على زوجها المحامى السورى "سليم عقيل" فى أحد اجتماعات المحامين العرب بالقاهرة.. إذ نشأت بينهما قصة حب توجت بالزواج نقلت على إثرها المحامية "أنصاف" عملها إلى سوريا مقر إقامة وعمل الزوج.

ولما لها من كفاءة ظهرت سريعًا، طلبت منها الحكومة السورية التقدم للعمل قاضية بالأحداث -إن لم يكن هناك ما يمنعها- وهو نظام كانت سوريا قد استحدثته لتيقنها من أن المرأة هى الأقدر على حل مشاكل الأحداث -صغار السن- وبالفعل صدر قرار بتعينها عام 1958م، وقت الوحدة بين مصر وسوريا لتكون بذلك أول امرأة فى الوطن العربى تتقلد منصب قاضية.

وكانت مجلة المصور نشرت هذه المعلومة بوثائق فى عددها الصادر بتاريخ 14 نوفمبر 1958م بعد أن أشارت بعض المصادر والمراجع إلى أن العراقية "زكية إسماعيل حقى" هى أول قاضية فى العالم العربى بعد تعينها قاضية شرعية بتاريخ 9 فبراير 1959م ما يتسق مع سياسة العراق من دعم وتمكين للمرأة والدليل أنها أول الدول التى شغلت بها المرأة منصب وزير نفس العام ومع كل التقدير والاحترام للعراقية إلا أن مجلة المصور كان عليها إبراز الحقيقة من أن المصرية أولى النساء العربيات اللاتى تبوأت منصب قاضية، فتحية لكل نساء الوطن العربى المناضلات الباحثات عن حرية ورفعة أوطانهن فقط أردت تأكيد المعلومة الموثقة.

أعود إلى القرار الشجاع للرئيس السيسى، واحتفالية السبت الماضى بعيد القضاء الأول، فالمصرية تعيش أزهى عصورها فمن يصدق بعد كل هذه السنين أن المرأة تلتحق بمجلس الدولة والنيابة العامة بعد أن كانت ممثلة فى القضاء العادى عام 2007 بتعيين أول 30 قاضية حتى تعيين آخر دفعة عام 2015، وتم ذلك عبر 3 دفعات منفصلة بإجمالى 66 قاضية موزعات حاليًا على محاكم الجمهورية تم اختيارهن جميعًا من عضوات النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، وليس بالطريق التقليدى من بداية السلم القضائى، وقبلها بـ5 سنوات عينت المستشارة تهانى الجبالى نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية، و43% نسبة العضوات فى هيئتى النيابة الإدارية وقضايا الدولة، ومن أبرز الأسماء التى اعتلت المنصة القاضية فاطمة قنديل وهى أول من اعتلى منصة الجنايات، وظهرت كعضو بإحدى الدوائر الجنائية بقضية التلاعب بالبورصة عام 2019، والمستشارة غادة الشهاوى التى عملت بمواقع مختلفة بالمحاكم وتقلدت منصب مساعد وزير العدل سابقًا، والمستشارة سوزان فهمى التى تم تعيينها عام 2016 بوظيفة مساعد وزير العدل لشؤون المرأة، والمستشارة حسناء شعبان والتى تم تعيينها عام 2018 برئاسة المحكمة الاقتصادية بطنطا وتدرجت فى العمل ما بين النيابة الإدارية ثم القضاء، إضافة إلى المستشارة جيهان البطوطى نائب رئيس محكمة استئناف القاهرة وأول قاضية تم اختيارها للعمل ضمن تشكيل المكتب الفنى لمحكمة استئناف القاهرة كرئيس مأمورية القاهرة الجديدة وتدرجت فى العمل بمناصب عديدة بداية من النيابة الإدارية ثم رئيس محكمة (أ) و(ب) بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية ثم مدير "برنامج حقى" بمكاتب دعم المرأة لمناهضة العنف بالمحاكم ورئيس محكمة (أ) بإدارة حقوق الإنسان قطاع المرأة والطفل بوزارة العدل، ومواقع قيادية أخرى وصولا لمنصبها الحالى بمحكمة الاستئناف، والقاضية مروة هشام بركات ابنة النائب العام الشهيد المستشار هشام بركات والتى سبق أن عملت برئاسة إحدى دوائر المحكمة الاقتصادية وتعمل حاليًا بإحدى دوائر محكمة الجنايات بالقاهرة والقاضية أمل عمار التى كانت رئيسة بمحكمة استئناف قنا ثم مساعدًا لوزير العدل لشؤون حقوق الإنسان والمرأة والطفل.

هذا هو التاريخ المشرف للمصرية منذ آلاف السنين، وهكذا كانت مكانتها بين قومها، قوية، شامخة، عاقلة  صاحبة رأى رشيد يؤخذ به ويطبق دون حساسية أو تمييز أو انتقاص، المصرية تعود إلى مكانتها التى غابت عنها لظروف وأسباب واهية، ها هى تعود مرفوعة الرأس بدعم من القيادة السياسية ومباركة لكل خطواتها المقبلة.. "ماعت" تعود لتتربع على منصة القضاء الشامخة بعد غياب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز