جمال رائف
الغريب أيضا فى الأمر أن هناك من يغضب؛ لأن الدولة المصرية تشيّد هذا الكم الكبير من المدن والمساكن والكبارى والطرق وتطور من المرافق، وكأنهم ينتظرون انفجار سكانى يلتهم الأرض ومن عليها، دون وعى بكون كل تلك المجهودات الجبارة التى تقوم بها الدولة على الصعيد التنموى لا تلاحق معدل النمو السكانى المتسارع.
عام 2052 سيصل عدد سكان مصر لأكثر من 190 مليون نسمة، رقم يستلزم وقفة مع الذات خاصة أن الزيادة السكنية أعباءها المستقبلية مضاعفة، فى عالم يشهد تغيرات مناخية وجائحة ممتدة وتوترات إقليمية ودولية أيضا، تؤثر على الاقتصاد العالمى الذى نحن جزء منه، فمثلا جائحة كورونا وحدها دفعت بأرقام الفقر والجوع لأكثر من مليار نسمة حول العالم، كما أدت لرفع أسعار السلع الغذائية، هذا بجانب أزمة الطاقة التى تطل على العالم الآن، وغيرها من الأزمات التى ستوجه العالم الفترة المقبلة، ولن تصمد أمامها سوى الدول القوية اقتصاديا وتنمويا، ونحن لسنا بمعزل عن العالم بل نحن فى القلب منه.
ولا يمكننا مواجهة تحدياتنا الإقليمية والدولية بجانب التحديات الداخلية، بهذا العبء السكانى المتزايد الذى تسبب عبر العقود الماضية فى ضياع مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية، وأضاع فرص التعليم على الكثير من الطلاب، وزاد من قوائم الانتظار بالمستشفيات، كما خلف مناطق غير آمنة وأخرى غير مخططة، وغيرها من الأزمات التى يتم معالجتها الآن بمعجزة تنموية حادثة على الأرض.
وبالفعل بدأت الدولة منذ عام 2014 فى معالجة تبعات تلك الزيادة السكانية وحققت نجاحات غير مسبوقة يكفى انها أنجزت ملف المناطق غير الآمنة، وشيدت المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة وتطور المنظومة الصحية والتعليمية، بل إنها أطلقت المبادرة الأضخم "حياة كريمة" وغيرها من الأمور التى تعالج هذا الإرث الثقيل، ولكن هل سنسمح لتلك المكتسبات أن تضيع ونعود مجددا لنقطة الصفر؛ بسب هذة الزيادة السكانية، بهذا النمط العشوائى الذى يشكل خطرًا حقيقيًا على مستقبل الدولة المصرية.
الأمر جد خطير وحرصت القيادة السياسية متمثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى على دق ناقوس الخطر دوما وتوعية الشعب بهذا الخطر السكانى، ضمن معركة الوعى التى يقودها الرئيس بنفسه وينتهج بها منهج الشفافية والمصارحة، إدراكاً بخطورة تلك القضية وأهمية تعزيز الوعى الجمعى المصرى بمخاطر الزيادة السكانية، وهنا يجب أن تُشكل إرادة مجتمعية تتضافر بها جهود الحكومة والبرلمان والأحزاب مع المجتمع المدنى والنخب الثقافية والمواطن وكل المعنيين بالأمر؛ للعمل بشكل موحد ضمن مباردة توعوية كبرى لمجابهة تلك الجائحة السكانية والتى لن تبقى ولن تذر، إذا لم يتم مواجهتها اليوم حفاظا على المستقبل.