ماجدة محمود
آه من الحب ذلك الكائن الغريب الذى يتسلل إلى القلوب فى غفلة من العقل الذى يتصور أنه الحارس الأمين للمشاعر، فى حين أن هذا المارد الكبير المسمى "كيوبيد" الملاك المجنح لا يقدر عليه أحد، بسهامه يخترق الكيان البشرى، يقلبه رأسا على عقب ولا نعرف متى، ولا أين ولا كيف ولماذا؟
الحب أنهك الشعراء قبل العاشقين، وتناقلوا قصصه وحكاياته فى أبياتهم الشعرية التى تحولت فيما بعد إلى مشاهد سينمائية وأوبريتات غنائية، من أشهرها أوبريت "اتفرج يا سلام" الذى قدم أشهر قصص الحب وما عاناه المحبين، مشيرا ألى الفرق بين الحب زمان "الحب الحقيقى" الذى يتفانى من أجله المحبين، والحب الآن.
والأوبريت كان فى الخمسينيات! ماذا لو قدموه فى القرن الـ22 ؟ ماذا سيقولون عن حب الإنترنت بكل أشكاله "فيس بوك، تويتر.. إلخ"، والحب التيك أواى بالتأكيد كانوا ماتوا من الرعب لما حدث وأصاب الحب تلك العاطفة السامية.
تعالوا نقرأ بماذا تغنى كل من محمد فوزى وصباح عن الحب فى زمن العذرية والحياء، أيام قيس وليلى، روميو وجوليت، كليوباترا وأنطونيو، وكيف قارنا وقتها بما حدث للحب فى زمانهما فى خمسينات القرن الماضى ؟!
"فين حب زمان من دلوقتى، كان حب زمان غير دلوقتى، ياريت يا زمان تيجى دلوقتى، الحب كان ياما كان زى الهوى والنور، له فى التاريخ يا زمان، أجمل حروف وفصول، وكان الحب فى الأول يزيده البعد لو طوَل وكان القلب لو يعشق يعيش ويموت ما يتحوَل، دلوقتى القلب يساع اتنين ويحب وينسى فى غمضة عين فين حب زمان، يا بنات راح فين، دلوقتى خلاص ما بقاش إخلاص وبكل سهولة يقولوا خلاص، الحب زمان، يا بنات ما خلاص".
لو تمعنا فى الكلمات وفكرنا قليلا لوجدنا تفسيرا دقيقا لما يحدث بين المحبين الآن؛ لأن زمان كان البعاد والتمنع، الحياء والتأدب يزيد الحب درجات ودرجات، يؤججه ويشعله، الآن الزن طوال النهار على "واتس اب وفيس بوك" وكل الوسائل الحديثة جعل من الحب سلعة رخيصة متاحة، وكل ممنوع مرغوب، وكل متاح مباع، والمتاح لا يستهوى الشارى، الحب الآن حالته مثل أغانيه تماما، تليفون أحبك وثانى مكالمة: "كبر دماغك - افكس - مش فاضى" وبعض البنات الآن تفرق بين الحب والزواج، احبك آه، جاهز للزواج؟ لا، خلاص فيه عريس جاهز تمام!
وأتساءل، والدباديب والفالنتين وقعدة الكورنيش؟؟ ومصطفى وعلى أمين الذين تعبوا معاكم وعملوا يوما للحب المصرى أبو دقة وشطة، والمقرر بعد غد 4 نوفمبر، أيام وراحت، وقت بنقضيه !!
الحب دلوقتى مثله مثل أشياء كثيرة فقدت مذاقها الخاص، الحب الآن وقتى، خالى من الجروح، سريع الإيقاع فى ذهابه كما حضوره، والدليل أن أغانى الحب صارت ترجمة دقيقة للحالة التى يعيشها المحبين، مثلا، كان بينا شوق ومحبة راحت بلوية بوزك، الله يحرق المحبة ويحرق اللى يعوزك، يا ملقح جوا ف قلبى وأنا قلبى مش متين، من حبك جالى سكر، ادينى أنسولين.
"حبيبى طالع فيها فاكرنى حدلعه، ياما نفسى يدينى ظهره وعلى قفاه حالسعه"، تخيلوا لو أم كلثوم التى تغنت للحب والعاشقين وكانت الآه منها تهز المسرح، آه من لقاك فى أول يوم، آه كم أخشى غدى هذا وارجوه اقترابا، ولما كانت تقول: "نسيت النوم وأحلامه، بعيد عنك حياتى عذاب"، لقد عشنا زمن العذاب الحقيقى بكلمات وأصوات أفسدت الحب والمحبين واتفرج يا سلام.