البث المباشر الراديو 9090
حنان أبو الضياء
فى الأونة الأخيرة ظهرت العديد من الروايات المصرية رديئة المستوى، وللأسف حققت مبيعات كثيرة، لارتباطها بعالم الجريمة.. ولكن تلك الأعمال تتلاشى، ولا يصبح لمؤلفيها مكانة، لكونها بعيدة تمامًا عن الإلمام بالحقائق العلمية. 

ففى عالم الإبداع الروائى العلم بالتفاصيل له مكانته وأهميته، ولا يوجد مبدع روائى إلا وكان صاحب ثقافة موسوعية، تجعل من روايته دربًا من الخيال الذى نصدقه.

وأحد أسرار "أجاثا كريستى" الملكة المتوجة فى عالم الرواية البوليسية، منذ عشرينيات القرن الماضى، حتى يومنا هذا، يكمن فى أنها اكتسبت معرفة جيدة باستخدام السموم وجرعاتها، وتعلمت ذلك عندما كانت أحدى ملكات الرحمة.

إنها صاحبة أشهر 66 لغزًا من أسرار القتل، والتى تتميز معظم كتبها بشخصيات تموت بسبب التسمم، لدرجة أن أكثر من 30 شخصية من أبطالها ماتت مسمومة.

يعود الارتباط بالجريمة والسموم إلى تدريبها كممرضة خلال الحرب العالمية الأولى، عندما تدربت وعملت تحت إشراف صيدلى.. كانت الوصفات الطبية فى ذلك الوقت مكتوبة بخط اليد، وكان عليها أن تكتب الوصفات بنفسها فى مستوصف المستشفى الذى كانت تتمركز فيه.

من المثير للاهتمام ملاحظة أن الصيدلانى الذى عملت تحت إشرافه حمل دومًا فى جيبه فى جميع الأوقات جرعة من مادة Curare، وهى مادة كيميائية تسبب الموت بالشلل والاختناق، عندما سئل عن سبب حمله لهذا العنصر المميت معه، أكد أنه الإحساس بالرضا الذى صاحب مثل هذه المادة الخطيرة، وهو ما يجعله يشعر بالقوة.

الطريف أن أحدى الشخصيات فى رواية "حصان شاحب" التى نشرت عام 1961 كانت مشابها له، خصوصًا أنه وجد يتعمد إعطاء بعض المرضى عشرة أضعاف الدواء المطلوب، وأنقذت الموقف "أجاثا كريستى" التى لاحظت ذلك، ومنعت إعطاء الجرعات للمرضى عن طريق إسقاط معظم الجرعة عن عمد على الأرض والاعتذار لاحقًا.. ليتم إعداد الجرعة التالية بشكل صحيح، وتجنب أى من هذه الأعمال الإجرامية الحقيقية.

وإلمام "أجاثا كريستى" بعلم السموم أكده أستاذ علم العقاقير مايكل جيرالد كريستى، إذ نشر كتابًا فى عام 1993 بعنوان "قلم أجاثا كريستى المسموم" والذى يسرد السموم المفضلة لديها واستخداماتها.

ليس من الصعب أن نلاحظ كيف يتمحور السرد فى رواياتها بشكل أساسى حول السموم والكيمياء ذات الصلة بما فى ذلك الأعراض، وطرق الكشف والعلاج، بدلاً من التركيب النفسى أو العاطفى للقاتل، ما يجعل المؤامرة معقدة، ولا تحتوى على صيغة معينة للحل، وتحافظ على تخمين القارئ حتى النهاية.

تجد المصداقية والاستحسان طريقهما إلى "أجاثا كريستى" بسبب المصادر الموثوقة للغاية التى تشير إليها فى كتاباتها.

ومن المعروف فى زمن كريستى وعصرها، أنه تم استخدام المواد الكيميائية للانتحار والقتل من قبل الأشخاص الذين تناولوا الفوسفور للانتحار أو إعطاء الزرنيخ لأى شخص يريدونه بعيدًا عن طريقهم.

تتضمن مؤامرات "أجاثا كريستى"  للموت عن طريق إعطاء السموم، سواء النادرة أو الشائعة، من خلال المواد الغذائية والمشروبات بدلاً من أى مسارات أخرى غامضة يصعب استيعابها فى مؤامراتها.

وفى النهاية تبقى "أجاثا كريستى" الملكة المتوجة، لأنها ببساطة ربطت بين الموهبة والمعرفة الموسوعية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز