شحاتة سلامة
يشمل القرار جميع المساجد "الحكومية والأهالى" وملحقاتها والمساجد تحت الإنشاء، ولا يستثنى منه سوى مساجد النذور الكبرى، والتى يتم تحديدها بالاسم، وعدد الصناديق بها، وأماكن وضعها، مع التشديد على التعامل بمنتهى الحسم مع المُخالفين باعتبار أن المُخالفة تقع تحت طائل جمع الأموال خارج نطاق القانون، وتقوم مُديريات الأوقاف برفع أى صندوق تجده مع تحرير محضر جمع مال خارج إطار القانون للمُخالف.
يقضى ذلك القرار الشجاع على عشرات الجرائم التى كانت تُرتكب بأموال المُتبرعين من المواطنين - رغم صدق مقاصدهم - ويكفى أنه كان يذهب الكثير من تلك التبرعات إلى جماعات التطرف والإرهاب دون حسيب ولا رقيب، فى ظل عدم قدرة المسؤولين بالأوقاف على تحديد إجمالى حجمها أو أوجه إنفاقها، فصناديق التبرعات فى أغلب المساجد عبارة عن صناديق خشبية مُتهالكة، تُجمع فيها الأموال من عملة الـ50 قرشًا المعدنية، وحتى فئة الـ200 جنيه الورقية.
القرار لم يلق اعتراضات من جموع المُصلين بالمساجد، لكنه أحدث جدلًا فيما يتعلق بمساجد الطرق الصوفية، وحسنًا فعل وزير الأوقاف، الدكتور محمد مختار جمعة، حينما سارع لإنهاء الإشكالية بتأكيده أن القرار لم يشمل مساجد الطرق الصوفية، لأن "صناديق النذور" لها قانون ينظمها، وينص على أن المبالغ التى تُحصلها وزارة الأوقاف من النذور، تذهب منها 10% لمشيخة الطرق الصوفية، وسيتم الاتفاق على آلية مُشتركة مع المشيخة طبقًا لقانون حكم النذور، لتحويل التبرعات بها من نقدية إلى رقمية، فمصر يوجد بها 143 ألف مسجد، منها 200 تابع للطرق الصوفية، سيتم عمل مرحلة انتقالية لها بحيث يكون للمساجد حسابات بنكية خاصة.
ولكى نُدرك حجم الفساد الذى طال تلك الصناديق الخشبية المُتهالكة المُسماة بـ"صناديق النذور"، نُشير هنا فقط إلى أنه قبل 2014 كان إجمالى ما يدخل صناديق النذور 6 ملايين جنيه، وعندما تمت حوكمتها وصل المبلغ لـ30 مليون جنيه، من خلال نسبة الـ10% التى تُحصل شهريًا لصالح الطرق الصوفية، التى لا تُفتح صناديق النذور بمساجدها إلا بمُفتاحين مع بعضهما البعض، أحدهما فى الوزارة، والآخر فى المسجد، ولا يُمكن لأحد أن يفتح الصندوق دون الآخر.
دلالات كبيرة أخرى يحملها القرار، أهمها أن مصر فى "الجمهورية الجديدة" لا تخضع للابتزاز، وتتحرك من أجل المصلحة العامة دون خوف وتحمى أموال التبرعات وأهل الخير من السرقة والإهدار والإهمال أو استخدامها فى أعمال العنف والإرهاب، كما أن مصر الجديدة لا يُمكن أبدًا أن تقبل أن يكون جمع التبرعات فيها من خلال الصناديق الخشبية على أبواب مساجدها، وإنما من خلال حسابات بنكية مُعلنة، تخضع للرقابة الصارمة، وتوجه نحو مسارها السليم الذى دُفعت من أجله، دون أن تتعرض للنهب والسرقة، ودون أن تُكلف الدولة موظفين ومشرفين وعمال يحصرون هذه الأموال ويجردونها، وتتعقد خطوات حصرها فتصبح عرضة للإهمال والفساد.
تسير الدولة بخطوات سريعة نحو تحقيق الشمول المالى والتحول الرقمى، وبات لدى أغلب المصريين - على الأقل فرد من كل أسرة - حسابات بنكية، وتطبيقات على هواتفهم تُمكنهم من التبرع فى أى وقت لأى جهة، وكما تحولت أغلب تعاملتنا إلى "ذكية" علينا أن تتحول تبرعاتنا أيضًا إلى تبرعات "ذكية"، تُحقق الهدف منها، وتُساعد فى تطبيق أقصى درجات الحوكمة والرقابة والشفافية، وقد أعلنت وزارة الأوقاف، حسابين بنكيين بالبنك المركزى لتلقى التبرعات، هما حساب صندوق عمارة المساجد والأضرحة بالبنك المركزى وجميع فروعه رقم "9/80274/450/9"، وحساب تبرعات البر وخدمة المجتمع بالبنك المركزى رقم "9/78899/450/9" إضافة إلى الحسابات المُعتمدة لبعض مجالس إدارات المساجد.