أحمد ناجى قمحة
فبعد وفاة البابا شنودة الثالث فى 17 مارس 2012 عن عمر يناهز 89 عاما، تم ترشيح 17 من الآباء الأساقفة والرهبان للكرسى البابوى، بينهم البابا تواضروس، وبعد أن صامَت الكنيسة ثلاثة أيام هى 1، 2، 3 أكتوبر 2012، اعتكف الآباء الأساقفة لدراسة ملفات المُرَشَّحين وفحص الملاحظات المقدمة واستقراء نبض الشارع، وانتهت اللجنة إلى أن تكون القائمة النهائية للمرشحين تضم خمسة آباء هم، القمص باخوميوس السريانى، والأنبا تواضروس، والأنبا رافائيل، والقمص رافائيل أفامينا، والقمص سارافيم السريانى، على أن يتم انتخاب ثلاثة من هؤلاء الآباء يوم 29 / 11 / 2012 بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية.
وفى يوم الاثنين الموافق 29 أكتوبر 2012، وبعد صوم شعب الكنيسة ثلاثة أيام صوم من الدرجة الأولى فى أيام 22، 23، 24 أكتوبر 2012، أُجْرِيَت الانتخابات البابوية فى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لاختيار ثلاثة آباء من الخمسة الموجودين بالقائمة النهائية للمرشحين، وذلك بناءا على عدد الأصوات، وانتهت الانتخابات باختيار كل من، الأنبا رافائيل، والأنبا تواضروس، والقمص روفائيل آفامينا، وحصل الأنبا تواضروس على تزكيات للبطريركية من آباء أساقفة من داخل وخارج مصر، وبعد صيام الشعب المسيحى صوم عام من الدرجة الأولى ثلاثة أيام هى 31 أكتوبر 2012 و1، 2 نوفمبر 2012، تم إقامة قداس القرعة الهيكلية يوم 4 نوفمبر 2012، ووقع الاختيار الإلهى على الأنبا تواضروس البالغ من العمر 60 عاما، حيث قام الطفل «بيشوى جرجس سعد» (6 سنوات) طفل القرعة الهيكلية بسحب الاسم من بين الثلاثة أسماء وهو مُعْصَب العينين.
جاء توقيت جلوس البابا تواضروس على مقعده فى لحظات حاسمة ومفصلية من تاريخ الدولة المصرية الوطنية المعاصر، وهى اللحظات التى كان التنظيم الإرهابى يتوهم أنه تمكن من مفاصل الدولة، ولكن هذا الأمر كان تحديًا له فى هذا التوقيت، إن لم يكن أهم التحديات، فهو توقيت كانت كل مؤسسات الدولة تعانى من الفوضى ولكنه ببصيرته وفهمه الجيد لطبيعة المجتمع المصرى، تمكن من التصدى ومجابهة هذا التحدى وغيره.
ومنذ اللحظات الأولى أوضح البابا "تواضروس الثانى"، فى مقابلة مع قناة "الوطن" الكويتية نقلت تفاصيلها وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية إن مصر "منذ ثورة 30 يونيو وهى تسير على خارطة طريق للمستقبل وفق خطوات منظمة بدأت بإقرار الدستور الجديد، ثم الانتخابات الرئاسية"، وكان ذلك قبل تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم، حيث أكد : "أن ترشح السيسى للرئاسة بات واجبا وطنيا" مضيفًا: "المصريون يرونه منقذًا وبطل ثورة 30 يونيو، ويمتلك صفة الضبط والربط المهمة جدًا لنمو المجتمع المصرى".
وتحدث قداسته عن مظاهرات 30 يونيو، قائلًا: "إنها ولدت حالة إجماع وتلاحم رائع للتخلص من حكم الإخوان الذين قدموا صورة مشوهة كان لا بد من محوها سريعًا"، مضيفًا "أن إدارة مرسى لم تكن تليق بأى حال من الأحوال بمصر الحضارة والتاريخ على الرغم من أنه كان يحكم باسم الدين".
كذلك هاجم رأس الكنيسة القبطية فى مصر "ثورات الربيع العربى"، قائلًا إنها "لم تكن ربيعًا أو حتى خريفًا، وإنما هى شتاء عربى مدبر حملته أيد خبيثة إلى منطقتنا العربية، لتفتيت دولها إلى مجرد دويلات صغيرة لا حول لها ولا قوة على حد تعبيره".
والرؤية السابقة عكستها تصريحاته الأخيرة، والتى أشار فيها إلى: "أن مصر عانت فى مرحلة سابقة من ضعف الدولة وقيادتها ودخولها فى فوضى عارمة إلى أن جاءت ثورة 30 يونيو، والتى استطاع فيها الشعب المصرى الواحد بقوة قواته المسلحة وشرطته الوطنية، إنقاذ صحة الوطن العليل، وبفضل القيادة السياسية الواعية والحكيمة التى قامت بتثبيت أركان الدولة بعد أن كادت تكون مهلهلة، ونجحت فى إنقاذ صحة الوطن واسترجاع عافيته وضبط أدائه رغم كل التحديات الصعبة التى واجهتها وتحققت إنجازات، ورغم ذلك فالرئيس عبدالفتاح السيسى، يردد دائما أنها خطوة فى طريق طويل من أجل رفعة الوطن والدولة المصرية".
وأشار إلى: "أنه من أبرز ملامح صحة الوطن، فتح شرايين الخير فى إنشاء وإضافة أكبر شبكة من الطرق والشوارع والكبارى والجسور، التى هى الخطوة الأولى لنجاح كل مشروعات تنمية العشوائيات وأماكن السكن غير المخطط وغير الآمنة التى يتم إزالتها مع توفير البديل فى مساكن راقية ومجهزة ومتكاملة الخدمات، وإنشاء المدن الجديدة وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة والتى هى فخر لكل مصرى، فضلا عن الاهتمام الروحى بقلب الوطن من خلال إنشاء مسجد الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح وافتتاحهما فى يوم واحد".
وتحدث البابا عن: "12 محورا خاصة بصحة المواطن تتمثل فى جهود الدولة فى المجال الطبى بالنسبة للأفراد والتنموى بالنسبة للمجتمع من خلال المبادرات الرئاسية فى الكشف على الأمراض المزمنة، وإنهاء قوائم الانتظار للعمليات الكبرى، والقضاء على فيروس "سى"، كما استعرض البابا 12 محورا تتعلق بصحة الوطن، موضحا أن صحة الوطن إنما تعنى قوته وقدرته على مواجهة التحديات وتحقيق الإنجازات".
وفى كلمته منذ أيام قليلة خلال الاحتفال بمرور 10 أعوام على إنشاء بيت العائلة المصرى تحت عنوان" بيت العائلة المصرية محبة وتعاون.. معًا نبنى مصر"، أوضح قداسته: "أن بيت العائلة يعمل على نشر السلام المجتمعى وتحقيق العدالة وتأكيد المواطنة، وتحديات هذا الزمن كثيرة، خاصة بعد انتشار كورونا مثل جفاء المشاعر الإنسانية بسبب الإغلاق، وتحدى آخر هو ثورات الطبيعة من زلازل وبراكين أثرت على المناخ، كذلك دخول مفاهيم غريبة مثل المثلية وزواج الشذوذ وأمور نرفضها جميعا، وهو ما يتطلب منا العمل معنا لمواجهة تلك التحديات، ولبيت العائلة محصول وافر، وأشير إلى إنشاء فروع جديدة بجانب الـ 17 فرعا العاملة، وأقترح أن نتبنى جميعا منهجا أصيلا فى التوعية وبناء الإنسان، ويدور حول 5 عناصر، أولا محبة الله، ثانيا محبة الطبيعة، ثالثا محبة الإنسان الآخر، رابعا محبة الوطن والأرض التى نعيش عليها، وخامسا محبة الأبدية التى نشتاق أن نكون فيها، ومن خلال هذا المنهج يكون منهج بيت العائلة فى العشر سنوات القادمة".
وكانت حكمة البابا "تواضروس الثانى" قد ظهرت بعد شهور من تجليسه على الكرسى المرقسى للكنيسة، وذلك عقب فض اعتصامى رابعة والنهضة، وتعرض الكنائس المصرية لهجوم شرس من قبل جماعة الإخوان، حيث أظهر عشقه للوطن ومدى حكمته للمرور من تلك الأزمات المريرة، وأطلق مقولته الشهيرة «وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن»، مؤكدًا أن حرق الكنائس مجرد تضحية بسيطة يقدمها الأقباط من أجل الوطن.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل طالب كنائس المهجر بأن تكون سفارات شعبية لمصر فى الخارج تكذب الإدعاء بأن ثورة 30 يونيو كانت انقلابًا وليست ثورة شعبية، وهذا ما كان يبرزه دائما خلال زيارته الخارجية.
وخلال لقاءته الخارجية، كان دائما «البابا» يؤكد أن الأوضاع تسير فى مصر بصورة أفضل عن الماضى، حيث أكد قداسته خلال لقائه بوفد من الكونجرس الأمريكى عقب ثورة 30 يونيو، أن أوضاع المسيحيين المصريين تحسنت، وأن للحرية ثمنا غاليا وأن «حرق الكنائس جزء من هذا الثمن نقدمه لبلادنا بصبر وحب».
وللبابا تواضروس مواقف وطنية فى العديد من الأزمات منها حادث تفجير الكنيسة البطرسية الذى وقع فى ديسمبر 2016، حيث أعلن وقتها وقوفه بجانب الدولة ومؤسساتها فى محاربة الإرهاب، وإيمانه بالدور الكبير الذى تقدمه الدولة للعبور من تلك الأزمات، وقال وقتها: «إن الجماعات الإرهابية التى هاجمت الكنيسة البطرسية تجردت من المشاعر وأوجه الإنسانية»، مؤكدًا أن الشعب المصرى معروف عنه فى مثل هذه الظروف الوقوف جنبًا إلى جنب، ولم تؤثر على وحدة أبناء الوطن.
كما استقبل البابا تواضروس المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالكاتدرائية، وأكد لها: "أن أوضاع المسيحيين المصريين تحسنت مع ثورة 30 يونيو 2013 والتى قام بها الشعب المصرى مسلمين ومسيحيين، وحماها الجيش المصرى، وهناك خطوات جدة لتحقيق ذلك منها إقرار أول قانون لبناء الكنائس فى مصر وزيارات الرئيس للكاتدرائية فى الأعياد، وإصلاح الدولة للكنائس التى أحرقت ودمرت، وهناك خطوات أخرى تعبر عن المواطنة الكاملة وعدم التمييز والمساواة، وإننا جميعًا كمصريين مسلمين ومسيحيين نعمل على بناء مصر الحديثة، وتحاول الكنيسة مع الدولة أن تحل بعض المشاكل من أجل أن تحيا مصر فى أفضل صورة".
وعقب وقوع الحادث الإرهابى فى نوفمبر 2017 بمسجد الروضة بالعريش، أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن دق جميع أجراس الكنائس، وذلك تضامنا مع الأخوة فى الوطن، وحزنا على أرواح شهداء مسجد الروضة بالعريش.
فهنيئًا لمصر هذا الرجل الوطنى الذى يترأس كنيستنا الوطنية المصرية، وهنيئًا للمصريين على هذا الفكر الوسطى المستنير الذى يعكس وحدة نسيج هذه الأمة، رجل من رجالات الوطن العظام وُلد فى لحظات المحنة التى دائمًا ما تظهر جوهر ومعدن المصريين، حفظ الله الوطن بأمثاله، وكل عام ومصر وقداسته بخير.