ماجدة محمود
هناك تحول غير محمود حدث لمكوّن الشخصية المصرية، لقد فقدت الكثير من القيم التى تربينا عليها وكانت تزين أفعالنا وأقوالنا، تحية الغير فى كل أوقات اليوم بداية من كلمة سعيدة، وصباح الخير ومساء الخير والسلام عليكم حتى أثناء المرور على جمع من الناس كانت تلقى عليهم التحية رغم عدم معرفتهم، هكذا كنّا شعبًا ودودًا.
الحارة المصرية أيضا كانت تعج بالقيم والمثل والأخلاق من التحاب والتعاطف والتماسك وهو ما شاهدناه فى أعمال المبدع نجيب محفوظ، كانت الشهامة وليست الشماتة، السمة الغالبة على الناس، كل الناس على مختلف مستوياتهم الاجتماعية والتعليمية.
الآن نرى الشماتة ألقت بظلالها على المجتمع المصرى، كم من الشماتة غير معقول ولا مقبول، الفرح فى مصائب الغير صار نموذجا يحتذى به، وإذا حاولت أن تثنى أحدا عن هذا السلوك اتهمك بالجبن أو افتعال المثالية.
وأعود من حيث بدأت ماذا حدث؟ وما أسباب هذا التحول الغريب على مجتمعنا؟ الإجابة ببساطة أنه لم يعد هناك رضا بما كتبه الله لنا، كل إنسان ينظر لحاله بعدم الرضا ويتمنى لو أن ما عند غيره يملكه هو ولم يعلم أن الله قسم الـ24 قيراطا بالعدل، الجزء المنتقص من المال متوفر فى الأبناء، والمنتقص فى الألم يأتى بعده الفرج.. إلخ، البداية هى عدم الرضا ثم ينطلق ماراثون اللهث وراء امتلاك المال بعد كثرة المطالَب والتطلعات، الناس صارت طموحاتها أكبر من إمكاناتها، وأحلامها المشروعة وغير المشروعة كسرت السقف وتعدت الحدود وطارت فى الفضاء، حتى أصبحت من الضروريات التى لا يمكن الاستغناء عنها، رغم أنها أشياء غير ذات قيمة، وحتى لا يتهمنى أحد بالمبالغة وأن غول الغلاء قضى على الأخضر واليابس، ولم يعد هناك رفاهية فى العيش وأن "الجاى على قد الرايح".
أطرح مثال لما أقول، فلينظر أى منا إلى أسرة غير ميسورة الحال، أو بالأدق من الأسر الفقيرة تجدها تمتلك أكثر من تليفون محمول وكأننا ولدنا به، وطبعا "الباقة تجرى ورا الباقة ولا يمكن تطولها"، هذا مثال بسيط يمثل عبئًا ماديًا على هذه الأسر التى تشكو من ضيق الحال وقلة المال، وهى تنفق على بند واحد عشرات الجنيهات، وهناك أمثلة أخرى كثيرة يطول شرحها تُمارس سلوكا استهلاكيا دون الحاجة له.
الطموحات والتطلعات غير المبررة خلقت قدرا غير مسؤول من الانفلات فى السلوكيات المتمثلة فى الشماتة، التناحر، عدم الاستمتاع بأى شىء وكل شىء لأننا نرى الجزء الفارغ من الكوب، ونلهث وراء أحلام غير مشروعة، وكما ذكرت فإن هناك تغيرا ملحوظا فى سلوكيات وتصرفات البعض، لم تعد هناك خصوصية فى حياتنا، كل شئ مباح، الحزن، الفرح، الهجر، الخصام، حالة من الفوضى تظلل حياتنا بإرادتنا لأننا من نفشى أسرارنا وأدق تفاصيل علاقاتنا ببعضنا البعض، ما جعل الكل يتدخل فى شؤون البعض.
هذه الفوضى جعلت من المعانى سالفة الذكر مشاع على مسرح الحياة، ما أدى إلى دمار وضياع أهم ما يميز المصريين من نخوة، وجدعنة، أصبحنا نرى الخطأ والخطر يحيط بالغير فننظر له وحال لساننا يقول: "وأنا مالى"، إذن لماذا تتدخل فى شؤونه دون استئذانه وتجلس له بالمنظار، مرتديا ثوب "الواعظ التقى" على صفحات التناحر الاجتماعى، التى أصبحت الحكم والجلاد لكل الأفعال والأقوال، حتى وإن كانت على سبيل المزاح، لماذا كل هذا العبث واللغط فى الوقت الذى يشكو فيه الناس من ضيق الوقت، لكثرة العمل سعيا وراء لقمة العيش، وعلى الرغم من ضيق الوقت نجد هذا العالم الافتراضى يسبح فيه البشر طوال اليوم وكأن الحياة صارت تدور فى فلكه وحده، لقد دمر هذا العالم حياتنا وقطع أوصالها وأباح المحرم بها، فحذارى من هذا المارد اللعين.