البث المباشر الراديو 9090
حنان أبو الضياء
يخطئ من يظن أن القوى الناعمة فى العالم لا تكيل بمكيالين، وأنها فقدت البصيرة، ومع ذلك بصرها حاد ثاقب فى ما يهم مصالحها العليا، حتى وإن كانت تلك المصالح على نقيض ما تتشدق به من مثل وقيم وأخلاقيات سامية.

مهرجان كان السينمائى نموذج صارخ لتلك القوى التى تسيطر عليها المصالح السياسية، وما حدث فى افتتاح الدورة 75 منه أقوى دليل على ذلك، فلقد تحول المهرجان الى بوق ومنشور سياسى ضد الصراع الروسى الأوكرانى، فنجد الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى عبر الشاشات يلقى خطابًا عاطفيًا فى افتتاح مهرجان كان.

بل إن المهرجان سيعرض ضمن فعالياته فيلم Mariupolis 2 للمخرج السينمائى الوثائقى الليتوانى "مانتاس كفيدارافيتش" الذى قتل فى 3 أبريل فى أوكرانيا، وفى نفس الوقت رفض مهرجان كان مشاركة جميع الأفلام الروسية أو الفنانين الروس فى تلك الدورة، باستثناء فيلم ضد روسيا، وهو فيلم زوجة تشايكوفسكى، من إخراج كيريل سيريبنيكوف، بطولة أليونا ميخائيلوفا وأودين بيرون عن الإمبراطورية الروسية فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر.

يحكى الفيلم عن زوجة الملحن بيوتر إيليتش تشايكوفسكى، التى لا تستطيع قبول توجهه غير التقليدى، ونتيجة لذلك تفقد عقلها تدريجيا.

الأغرب أن مهرجان كان ضمن لجنة تحكيمه أصغر فرهادى، المتهم بسرقة فيلمه البطل الذى حصل عنه على الجائزة الكبرى لمهرجان كان العام الماضى، والذى حكم ضده بل واعترف فرهادى ضمنيا بالسرقة عندما قال: "إنه لا يمانع بمشاركة الجوائز مع الفيلم الوثائقى رغم أننى لم آخذ منه شىء!".

وفى الحقيقة أن المخرج وكاتب السيناريو والمنتج الإيرانى أصغر فرهادى يحتفى به دوما على مستوى العالم، بالطبع لا ننكر موهبته ولكن هناك ميزة أخرى تفتح له الأبواب وهى أنه معادٍ للنظام الإيرانى.

مهرجان كان فعل هذا الشو الذى أصبغه بالمشاعر الإنسانية، وفى نفس الوقت لم يحرك ساكنا أبدا ضد إسرائيل ومافعلته من اغتصاب فلسطين فى يوما من الأيام، بل على العكس استقبل فى أحد دوراته وزيرة ثقافة إسرائيل، ميرى ريجيف، التى حضرت مهرجان "كان" بفستان عليه صورة البلدة القديمة فى القدس المحتلة وتبرز فيه ساحات الحرم القدسى الشريف وقبة الصخرة، لتنقل رسالة سياسية إسرائيلية، أن القدس المحتلة تحت سيطرة إسرائيل، وأنهم يحتفلون بمرور 50 عاما على توحيد القدس، وأن أفضل طريقة للتعبير عن ذلك هو فستانها، للتشديد أن القدس هى عاصمة إسرائيل الأبدية.

مهرجان كان الموجه سياسيا هو من طرد المخرج الدنماركى "فون ترايير" من المهرجان عام 2011 بعد أن تفوّه بعبارات خلال المؤتمر الصحافى؛ لمناقشة فيلمه “كآبة” فُسّرت على أنها معادية للسامية أو مسيئة لليهود، لقوله: إنه “نازى” و”يفهم هتلر”، رغم أن المخرج أكد أن ذلك على سبيل المزاح والمغالاة فى التعبير اللذين عرف بهما المخرج صاحب “أوروبا” و”راقصة فى الظلام” و”تحطيم الأمواج” و”دوجفيل” و”ضد المسيح”؛ لأن إسرائيل صداع فى الرأس، كان يجب على مهرجان "كان" معاقبة "فون ترايير" على مزاحه بالطرد، بينما رحب المهرجان بالاستفزاز ضد العرب من قبل وزيرة ثقافة إسرائيل ميرى ريجيف.

ولا يستطيع أحد أن ينسى أن مهرجان كان غير من قواعد تواريخ قبول الأفلام فى المهرجان من أجل فيلم برنار هنرى ليفى "قسم طبرق"؛ فالجميع يعلم أن عراب الربيع العربى ليفى لعب دورا لإقناع الرئيس الفرنسى السابق نيكولا ساركوزى بأن يتولى القيادة فى تعامل الغرب مع الأزمة الليبية وهو من ساهم فى الإطاحة بالرئيس معمر القذافى، واحتفى بفيلم "برنار هنرى ليفى " فى مهرجان كان، رغم تواضع مستواه الفنى، ولما لا، وهو فيلسوف الحرية الذى لا يرى أى تناقض بين الحملة العسكرية التى قادتها فرنسا فى مالى باسم محاربة الجماعات الإرهابية، والحملة ضد نظام القذافى تحت ذريعة التدخل الإنسانى، بل ويصف التدخل فى مالى بـ"الفصل الثانى" من عملية واحدة.

فى النهاية مهرجان كان له وجه سياسى منحاز لمصالحه الخاصة وتوازناته، يظهره عندما يريد!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز