البث المباشر الراديو 9090
ماجدة محمود
استوقفتنى المبادرة التى أطلقها الأزهر الشريف من يومين والخاصة بمراسم وعادات وتقاليد الزواج المصرية والتى باتت تمثل عبئا شديدا على الأسرة بكل مستوياتها الاجتماعية.

نعم لقد صار الزواج مكلفا لدرجة لم يستطع معها الشاب مجرد التفكير فى الارتباط، ما أدى إلى زيادة نسب العزوف عن الزواج، وأصبح لقب "عانس" الذى لا أفضله، يطلق على الطرفين، وصار الحديث الشريف "من استطاع منكم الباء فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصبر والصلاة".

ولأنه لم يستطع فقد فرغ الصبر ولم تعد تجدى مع حالته الصلاة، فزادت نسب تعاطى المخدرات، وإن قلت نسب التحرش والاغتصاب، لكنها موجودة، وهذه السلوكيات مرجعها فى المقام الأول إلى عدم القدرة على الزواج وإشباع الاحتياجات الإنسانية، بسبب المبالغة فى تكاليف الزواج التى ليست من الأساسيات بل من أجل المباهاة والتفاخر.

الأزهر ولكونه مؤسسة لها كلمتها المسموعة والمؤثرة، تحرك من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه بإطلاق مبادرة "لتسكنوا إليها"، مستمدًا اسم المبادرة من الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون" - الروم.

المولى عز وجل بقوله الكريم يدلل على أن الزواج يؤلف بين القلوب والأنفس، وأن السكن هنا يعنى المودة والرحمة والشفقة والتعاطف والعطف والحب والآمان.

وهنا أرى أن السكن إليها وليس فيها، ليس فى منزل فاخر ملىء بالأثاث والكريستالات والغسالات والثلاجات.. إلخ، والتى لا تحقق المعانى المنشودة التى أشار لها المولى عز وجل.

ولا أقصد هنا أن لا نعيش فى مكان جميل صحى، ونذهب إلى افتراش الأرض، وأن نهيم فيها بالطبع لا، ولكن أقصد بكلامى هذا الاعتدال وعدم المغالاة، وهذا هو الهدف من إطلاق المبادرة التى تمثلت فى عدد من النقاط متعلقة بكثير من التفاصيل مثل: عدم تطويل فترة الخطوبة، بشكل يؤدى إلى وقوع بعض المشكلات والإقلال من الهدايا، الاتفاق بين الطرفين على كل مصروفات وتكاليف الزواج خلال فترة الخطوبة وقبل كتب الكتاب، عمل دورة مكثفة للزوجين فى التأهيل الأسرى، والاقتصار على كتابة المنقولات الفعلية التى يؤسس بها بيت الزوجية دون مبالغة، على أن يتم اختيار مسكن الزوجية بالاتفاق بين الطرفين، وعلى حسب الاستطاعة، دون تدخل الأسرتين ودون شروط غير ضرورية، تحديد الذهب بالقيمة وليس بالجرامات، ويثبت فى قائمة المنقولات القيمة، الاقتصاد فى الكساء للعروسين بعدد منطقى من الملابس، وإلغاء الأجهزة الكهربائية غير الضرورية.

مراسم الأفراح تقام بصورة بسيطة على قدر الاستطاعة، وعدم التقيد بمظاهر ومغالاة مرهقة، وأن يقتصر نقل جهاز العروسة على سيارة واحدة فقط، ودون حضور مدعوين، تجنبا للتكاليف الباهظة، إلغاء سيشن التصوير، إلغاء اشتراط السفر لقضاء شهر العسل مع عدم المبالغة فى الزيارات اليومية والعزومات المتبادلة والهدايا المرهقة خلال التهنئة بالزواج.

ما جاء من تفاصيل فى مبادرة الأزهر ناتجة عن ما نسمعه ونراه من سلوكيات غير معقولة تصل إلى حد الجنون فى اتفاقات وشروط الزواج وفى مستويات دنيا وصل فيها حال الأم أن صارت "غارمة" وتعرضت للسجن بسبب التزامات اشترطتها على نفسها أثناء الإعداد لزواج ابنتها أو ابنها من باب المباهة "وما حدش أحسن من ولادى"، أضف إلى هذا أن الريف أصبح يبتكر موضات فى الزواج غريبة جدا مثلا "أكثر من غسالة إحداهما للأطفال الذين هم أصلا فى علم الغيب، هدايا لحماة الإبنة وشقيقات الزوج عند إرسال عفش العروس، حجرة أطفال لا تقل فى ثمنها عن سعر حجرة النوم، تلال من البطاطين، والملايات والفوط، والنيش الذى كانت تكلفة ما بداخله من أشياء أيام الرخص تصل إلى ما بين 30 إلى 100 ألف جنيه وهو كائن للعرض فقط! إى والله، وأشياء اخرى كثيرة مستفزة لا يتسع المقال لها!

سلوكيات الآباء أضرت بالأبناء ولهذا لابد من وقفة ليس فقط على مستوى المبادرات المجتمعية، بل أيضا بالقانون الذى يحسم أى جدال، لأن المبادرات التى تطلق من أجل تعديل سلوكيات متوطنة ومتجذرة بداخلنا تستلزم الوقت والزن على الودان.

أما القوانين فهى الرادع لحسم مثل هذه الأمور، وهذا لا يعنى أن نتجاهل أو نستبعد مثل هذه المبادرات الهادفة، بل تسير جنبا إلى جنب مع قانون يحسم أمور الشبكة والمؤخر والمهر وكل هذه الأشياء التى أصبحت دخيلة على مجتمعنا.

وأرى أن المستهدفين من هذه المبادرة ليس هم كبار العائلة فقط، بل يأتى فى المقام الأول الشباب المقبل على الزواج الذى يتمسك بسلوكيات بالية، فى الوقت الذى يقلد فيه شباب الغرب فى كثير من سلوكياتهم، فلماذا لا يقلدونهم فى أسلوب حياتهم المعيشية البسيطة فى المسكن والأثاث ومراسم الزواج ومساعدة بعضهم البعض حتى يستطيعوا الباءة مثلهم، مش كده ولا إيه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز