أحمد عنتر
الملك هو الهدف، وهو أعظم القطع قيمة وأجّلها مقاما، وبقاؤه بقاء لرقعة الشطرنج، التي تتهاوى مع سقوطه، فإذا التوى عنقه انكسارا وحاصرته السيوف والخناجر، فاستسلم لآخر "كش"، كانت نهاية اللعبة.. ومع حزن الملك ودموع موته، تنطلق أهازيج الفرح من القتلة، لأن الاستراتيجية مضت إلى حيث يرتفع بيرقهم.
هكذا هي مصر، الكبرى، التي يتفتق تاريخها عن عراقة، وتنحدر من حروف اسمها الثلاثة حضارة خالدة، هي هدف الصغار، المتكالبين على المقام الأجّل، الذين يستهدفون سقوطها، ليسقط الشرق كله، إلا أنه – في كل مرة يحاولون فيها الاقتراب ببيادقهم وسيوفهم - ينجلي أمامهم الحق الراسخ، بأن مصر باقية لا تسقط، خالدة لا تنخفض صواريها، وبأن أولادها كالجبال الراسيات، لا يعييهم تحد، ولا تهزمهم ظروف، ولا يخيفهم رصاص، بينما كل مستهدف حاقد منهم مصيره السقوط كقطعة شطرنج منهزمة.
منذ يناير 2011 وأحداثه، وأنا أتأمل ومعي كل محلل للتحولات العالمية، مسار الصراع، وبنادق المؤامرة، وسيوف التآمر ضد مصر، سواء بتحالف داخلي أو خارجي، صغير الكيان واللجان أو كبير التفرع شديد العدوان، تحالف جديد ضد "مصر" أو إساءة تمس منجزاتها وقيادتها، والثابت في كل المشاهدات أن تلكم المحاولات لن تتوقف ما بقيت مصر، مع تعدد الخونة والمغرضين والكارهين واختلاف مشاربهم.
مصر محور الاستقرار وعمود الخيمة للشرق، لذلك فإن كل تطور يمس دولة ما في الشرق الأوسط يؤثر فيها ويتأثر بها، فلا تقع توترات في البحر الأحمر إلا ارتد صداها إلى عدم وصول السفن إلى قناة السويس، وما إن تتحرك سفينة أو تشتعل مواجهة في شرق البحر المتوسط إلا كان الهدف ثروات مصر في المياه الإقليمية، ولا يجوب الصراع أرض السودان إلا وانتفضت مصر اهتماما وتواصلا وتشابكا مع الأحداث، كذلك في ليبيا إذا ما حمي الحديث واشتدت الأزمة، كانت مصر هي الطرف الأكثر فاعلية وتجاوبا واهتماما وتأثرا وتأثيرا.
ومصر الكبرى تمر الآن بأزمة أشقاء قريبين لطالما ساعدتهم مصر عبر تاريخها.. أزمة تفرض عليها أن تواجه المخططات مع الأشقاء كتفا بكتف، لتحفظ لهم حقوقهم وأرضهم، وفي الوقت نفسه تحفظ لنفسها السيادة أمام مؤامرة محاولات تهجير الفلسطينيين من أرضهم إلى سيناء لتصفية القضية الفلسطينية من مضمونها، وقتل كل محاولات إعادة الحق التاريخي لأصحابه.
ولعل بيان الرئاسة المصرية كان واضحا مهيبا في كلمات لا لبس فيها بشأن الأزمة، إذ أكد البيان أن موقف مصر الثابت سيظل مصمما على وقف إطلاق النار في غزة بأسرع وقت ممكن، حماية للمدنيين الذين يتعرضون لأسوأ معاناة إنسانية يمكن تصورها، وإنقاذا لهم من القصف والجوع والمرض، وكذلك ستستمر مصر في قيادة وتنظيم وحشد وإدخال المساعدات الإنسانية لإدخالها للقطاع بأكبر كميات ممكنة، وتحث في هذا الصدد جميع الأطراف المعنية على التعاون والتنسيق وتقديم التسهيلات اللازمة لإدخال المساعدات بالشكل المنشود.
البيان كان صارما في تشديده على أن مصر تؤكد أن أية محاولات أو مساع لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم ستبوء بالفشل، وأن الحل الوحيد للأوضاع الراهنة يتمثل في حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
مصر الكبرى، لا تلتفت ولا تتقهقر ولا تتنازل عن حقوقها أو حقوق أشقائها، وإنما تحسب الخطى، وتدقق في التحركات، وتضع الموازين القسط في معادلاتها الإقليمية وحساباتها السياسية، بينما مع كل هذا، يظل مبدأها ثابتا، حفاظا على الأرض والسيادة: "مصر مستعدة للتعامل مع كل السيناريوهات".