البث المباشر الراديو 9090
ماريان جرجس
"إذا الشَّعْبُ يوماً أراد الحياةَ فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ"

عندما قال تلك الأبيات أبو القاسم الشابي في عام 1933 لم يكن يدرك وقتها، أنها ستصف حال الشعب المصري الذي توحدت صفوفه في الثلاثين من يونيوعام 2013، ليرسم نقطة فاصلة في تاريخ العصر الحديث ويرسم ملمحًا جديدًا في تاريخ الأمة بل الإقليم بأكمله.

إن ثورة الثلاثين من يونيو لم تكن كحال بقية الثورات مثل ثورة 19 أو ثورة يوليو، اقتصرت مكتسباتها على مصر فقط، بل أن مكتسبات ذلك الحراك الشعبي غير مصير إقليم كامل، لذا أسموها ثورة التصحيح، لأنها أصلحت الحراك الذي قام به الشعب في 2011 ولكن دون قوى تحمي تلك المكتسبات، فأنقضت عليها الفاشية الدينية لتسرق مكتسبات الشعب وتصنع منها لا مقدرات أمة حقيقية، بل مكتسبات تخدم أجنداتهم الآثمة، والأطراف الخارجية التي كان بغيتها تقسيم الإقليم وتقسيم الدولة المصرية ليتحول شاطئ المتوسط بأكمله إلي أسطول من قوارب الهجرة غير النظامية بعد تفتيت تلك الدول العربية إثر موجات الربيع العربي والذي لم يكن ربيعًا على الإطلاق.

إن ثورة الثلاثين من يونيو صنعت مقدرات جديدة للإقليم، صنعت الفرصة الجديدة كي يتسنى لهم صناعة مستقبل جديد وحماية شعوبهم من التدخل الخارجي وصناعة حكومات وطنية وتقوية جيوشهم الوطنية.

أمّا على الصعيد الداخلي، فلا شك أنها حولت الحالة الداخلية من حالة اللادولة إلى حالة الدولة وهناك فرقًا كبيرًا جدا بين العصا السحرية وبين ثورة شعبية استطاعت أن تحافظ على دولة وعلى أساستها وعلى ركائزها، تحدد التحديات والمشاكل وتعلم أنهم كُثر!

فتصبح أكثر من مجرد حراك شعبي بل تصبح حالة وطنية حيث يصطف الشعب ويتوحد وتندثر الخلافات الداخلية وتصبح الدولة أكثر رصانة بحيث تتحمل الندية بين المواطن والقيادة، تتحمل حالة حوار وطني، تتحمل إقامة انتخابات رئاسية وبرلمانية أكثر من مرة وتصبح دولة مؤسسات مستقلة، تلك الحالة هي حالة انقشاع الغيوم، فتبصر الدولة وتستطيع تحديد مجريات الأمور والتحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية على الصعيد الخارجي والداخلي، ومن ثمّ تضع الاستراتيجيات الوطنية والرأي متوسطة المدى وبعيدة المدي، ويصبح لها أذرع ومبادرات ومشروعات قومية وتبدأ في التنفيذ بعد خطوتي الرؤية والتخطيط، وربما قد تكون تلك المرحلة هي الأصعب على الإطلاق، فالتحول من اللادولة إلى دولة هي مرحلة صعبة جدا لا شك!

فهناك الكثير من الدول المجاورة التي لم تستطع تخطيها وتعثرت في الانتخابات وتثبيت أقدام مؤسساتها أو فشلت في توحيد صفوف الشعب أو الجيش، ولكن سرعان ما أصبحت الدولة المصرية متوحدة ومتكاملة وصمام أمان للمنطقة بأكملها.

لا أتخيل مصير المنطقة ومصير القضية الفلسطينية حال لم تقم ثورة الثلاثين من يونيو، فربما كان المشهد عبثيًا وربما تغير خريطة الشرق الأوسط إلى أبد الآبدين، فحقا لقد ولدنا جميعًا في الثلاثين من يونيو عام 2013.

د. ماريان جرجس - كاتبة صحفية

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز