إيهاب الملاح
إن وسائل السوشيال ميديا، وفي القلب منها «فيسبوك» الأكثر استحواذا واستقطابا على سطح الكرة الأرضية، أصبح فعلًا فضاء جامعا لكل شيء.. «أي حاجة، وكل حاجة!»؛ الجاد والهازل، الحقيقي والمفبرك، الشخصي والعام، السلمي والعنيف.
كل هذا يمثل صعوبة شديدة (بل خطورة أكيدة في بعض الأحيان) على من يحاول الإبحار في مثل هذا "الفضاء" من دون أن يكون واعيا بمشكلاته وفخاخه وشباكه، وتداعيات التعامل معه دون وعي ولا إدراك.
لو أخذنا «فيسبوك»، مثالًا، باعتباره الموقع الأكثر شهرة وانتشارا علي كوكب الأرض؛ هذا الفضاء الأزرق قادر على ابتلاع الملايين من البشر وتعريتهم تمامًا بل وفضحهم، مجازًا وحقيقة، لا أمام أنفسهم فقط وإنما أمام الآخرين، يعني كما نقول بلغتنا الدارجة المصرية «تجريسة وعلى الملأ فضيحة!».
هو في الحقيقة أداة أيضًا للانتحار المعنوي الكاسح من دون أن يدري أحدهم أنه ينتحر معنويا بجملة واحدة.. كلمة واحدة كفيلة بالفضح وهتك الستر وجعل صاحبها «مسخة» (المصيبة أن من يتحول إلى مسخة لا يدري أنه مسخة!!).
ليس هذا فقط، فقد يؤدي جهل الشخص بطبيعة هذا الفضاء الذي يتعامل معه للمرة الأولى أو يتعامل معه بخبرة ناقصة وغير مكتملة، قد تؤدي به للانزلاق إلى فِخَاخٍ وحُفُر تصل إلى حد الكوارث بالمعني الحرفي..
والشواهد أكثر من أن تحصى!.
جزء أساسي وكاشف لممارسات الأفراد على السوشيال ميديا (وانا هنا لا أتحدث عن التوظيف النفعي من قبيل ما يعرف باللجان الإلكترونية أو جحافل القطيع الموجهة، فهذه قصة أخرى طويلة ومهمة ومعقدة) ما شاع في السنوات الأخيرة، وخاصة مع اجتياح ثورة السوشيال ميديا، وتأثيرها المرعب في التواصل والترويج وأشياء أخرى كثيرة، من شهوة النقل والاقتباس ومشاركة العبارات والجمل المنسوبة إلى مشاهير من دون التحقق أو التأكد من نسبة هذه العبارات أو الجمل إليهم وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع مضمونها أو معناها (في الغالب يكون معنى أخلاقيا أو وعظيا أو توجيهيا مباشرا).
ما يُسمَّى بتفشي ثقافة الاقتباس، والتلهف على نشر وقراءة المقتبسات المختارة من أعمال أدبية أو شعرية أو مقولات تحمل معاني إنسانية أو ذات دلالات أخلاقية أو تأملات فلسفية أو تدعم أفكارًا وأيديولوجيات بذاتها.. إلخ.
وتحولت هذه الثقافة التي من المفترض أنها علامة إيجابية على التفاعل والاستجابة مع ما نقرأ من نصوص، إلى صرعة تفشت كالوباء بل "هوجة" عنيفة عارمة طالت كل شيء وأي شيء.. وبدلًا من مشاركة هذه المختارات لإشاعة قيم ذوقية لا خلاف عليها أو قيم جمالية في التعبير الأدبي، صارت مساحة فوضى عارمة تتسع للمباهاة والادعاء والنقل والكذب والفبركة.. إلخ (ولكن هذا حديث آخر ربما نعود إليه في مناسبة تالية).