البث المباشر الراديو 9090
إيهاب الملاح
أكثر من عشر سنوات، وأنا أؤذن في مالطة! أكثر من عشر سنوات وأنا أقرأ يوميًا على السوشيال ميديا كلمات، وعبارات، وجُمل متداولة، ومنقولة بالآلاف، ومُذَيَّلة باسم نجيب محفوظ! "ومثله في ذلك كل مشاهير الأدب، والإبداع المصري والعالمي؛ محمود درويش، وصلاح جاهين، ودوستويفسكي، وشكسبير.. إلخ".

لا أعلم متى، وكيف بدأ هذا الطوفان الكاسح في الانتشار كالوباء في فضاء السوشيال ميديا، وأصبح أداة تخريب للذوائق، وتزييف للحقائق، وافتئاتٍ على النصوص الأصلية الأصيلة لهؤلاء الكبار!

ولا أعلم كيف، وبأي آلية، تمت هندسة هذا الاجتياح، وضرب هذا الفيروسُ السرطاني فضاء السوشيال ميديا "بقصد أو بدون قصد"؛ لينشر أي كلام فارغ، وأي محتوى ساذج، وسطحي، وتافه، وأي عبارات إنشائية ركيكة، ويتم لصقها، ونسبتها لـ نجيب محفوظ!

لم يكلف أحد نفسه طرح سؤال، مجرد سؤال: هل هذا النص صدر بالفعل من نجيب محفوظ؟! وإن كان.. ففي أي كتاب له؟!

سؤال بسيط جدًا.. لكن غيابه بالكلية عن الساحة دال جًدا ومعبر جدًا على الحالة المزرية التي وصلنا إليها! وعلى الاستسلام التام لحالة الكسل العقلي، والانقياد لثقافة النقل، والاتباع من دون أدنى إحساس بالخجل، أو التوتر من هذا النقص الإنساني الفادح!

عموما سأضرب مثالًا من عشرات الآلاف من الأمثلة التي تحاصرنا على كل المواقع والصفحات، ويتناقلها الآلاف ناقلا عن ناقل، لمجرد أن شخصًا مجهولًا قد دشَّن صفحة كتب عليها اسم "نجيب محفوظ"! فيتدفق الآلاف على الصفحة ليقرؤوا دُرر الحِكَم ولآلئ، وفرائد الإبداع "المحفوظية" دون أن يكلف واحد من هؤلاء الآلاف طرح سؤال واحد عن ماهية هذه الصفحة، ومن وراءها؟!

وما قدر هذه النصوص والمنشورات التي يبثونها منسوبة لنجيب محفوظ من الدقة والتوثيق؟! وهكذا وببساطة شديدة؛ بل متناهية نجد هذه العبارة منسوبة لـ نجيب محفوظ.

هذا واحد من آلاف المقولات التي تروج لها صفحات، ومواقع، وجروبات منسوبة لـ نجيب محفوظ، وهو بريء منها؛ براءة الذئب من دم ابن يعقوب! وأقصد بالبراءة هنا البراءة الأسلوبية "بغض النظر عما تدعو إليه، أو تبشر به، أو تُوهم بغير ذلك" فلا نجيب محفوظ قال هذا الكلام، ولا يمكن أن يصدر عنه مثل هذه العبارة بركاكتها الأسلوبية.

والرجل كان على القمة من البلاغة والأسلوبية.. فضلًا على "إذا افترضنا أنه قالها" ذكر المصدر "وكتب نجيب محفوظ بيننا متداولة ومحفوظة ومثبتة وموثقة، ففي أي كتاب منها؟!".

آلاف من مثل هذه الكلمات تُنسب إلى الرجل، وتُوضع على لسانه دون ذكر "مصدرها" أو في أي كتاب من كتبه، أو حوار من حواراته.. إلخ، وهو لم يقلها ولم يكتبها، ولا يمكن أن تصدر عنه أبدًا بهذه الصياغة التي تفارق تمامًا تمامًا جمالية كتابته، وأناقة أسلوبه، وخصوصيته في الوقت نفسه.

(وللحديث بقية)

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز