إيهاب الملاح
يذكرني "فيسبوك" في هذه الأيام بمنشورٍ "بوست" أدرتُه حول مهنة التدريس، وقيمة المعلم وتكوينه، والقدرات الخاصة التي يجب أن تتوفر فيه، وأن يمتلكها لأنها قوام مجتمع بأكمله! ومما أثار دهشتي واستغرابي أن هذا المنشور كلما قرأته وجدته صادقًا ومعبرًا عن قناعتي منذ كنت تلميذًا أتعلم، مرورًا بمرحلة صرت فيها معلما أواجه طلابا وتلاميذ في فصل دراسي عقب تخرجي، ووصولًا إلى احترافي الكتابة والانشغال بالتعليم والتعلم ضمن قضية التعليم التي أراها "أم القضايا" و"رأس الموضوعات" وأولوية الأولويات في أي تصور للمستقبل أو أي مشروع قومي نبحث عنه للخروج من الأنفاق التي تحاصرنا من كل جانب.
من ضمن ما قلت، ذكرت أن "التدريس" ملكة وموهبة وقدرة فذة على إنشاء جسور إنسانية أولًا قبل الجسور المعرفية والمعلوماتية والتعليمية. إذا لم يكسب "المعلم" احترام وتقدير طلابه ومحاضريه، فلا تعليم ولا تعلم ولا شيء من أساسه!
التعليم -فيما أتصور- عملية تواصل إنساني في المقام الأول، ثم هو ثانيا عملية حيوية لنقل خبرات وتنمية مهارات والمساعدة على اكتشاف القدرات الخاصة، وتنميتها وتعظيمها، ثم هو ثالثًا عملية تدريب منهجي متواصل على التلقي والمناقشة وإعمال الذهن وإذكاء العقل وطرح السؤال والبحث عن إجابات محتملة ومتماسكة لهذا السؤال.
وإذا سلمنا بهذا الطرح (وهو غير ملزم على الإطلاق لأحد سواي) فإن -من وجهة نظري- كل ما هو نقيض ذلك يقتل العملية التعليمية، ويخرج طلابًا مشوهين كارهين للحياة والتعليم والمعرفة والإنسانية! طلابا لم يحصلِّوا سوى معلومات، وفاتهم أن يحصلِّوا "قيما" إنسانية وأخلاقية وأمورا قد تكون أهم ألف مرة من المعلومات والنظريات والمعادلات!
فالفرض والقهر والعسف وممارسة السلطة قسرًا (سلطة الامتحان/ سلطة الدرجات/ سلطة أعمال السنة.. إلخ) والفظاظة في المحاضرة والابتعاد عن اللياقة والحضور الإنساني والذهني، وحتى الشكلي، كلها تؤدي في النهاية إلى نفورٍ شديد يتعاظم ويتضخم حتى يصل لكراهيةٍ مطلقة، وتطرف بشع ورغبة في الانتقام وممارسة العنف على أي شخص يقوده قدره للمثول بين يدي مثل هؤلاء الذين يمارسون هذا الجرم العظيم.
في ظني، فإن الكفاية النفسية والعصبية شرط أساسي لممارسة التدريس ومواجهة الطلاب قبل الكفاية المعرفية والدرجات العلمية. ولا يكفي أبدًا أن تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه، وتترقى في مراتب التدرج الوظيفي لكي يكون ذلك مسوغًا لمواجهة طلاب وطالبات تتراوح أعمارهم في المراحل الأساسية بين الـ 6 و15 وفي المرحلة الجامعية وما بعدها بين 18 و25 وهي فترة التكوين والتأثر والدمغ النهائي لسلوكات ومهارات وخبرات هؤلاء الطلاب والطالبات.
المعلم أو المدرس أو "المحاضر" قد يكون سببًا في تغيير حياة إنسان تغييرًا كاملًا في الاتجاهين: أن يكون إنسانًا مكتمل الإنسانية، ومحبًّا للحياة أو العكس؛ ينتقص من إنسانيته ويكون سببًا في نقمته وغضبه على نفسه وعلى العالم فيدفع الجميع الثمن.
وأتذكر دائما ذلك النص المبهر الذي كنت أحفظه عن ظهر قلب (كان مقررا علينا في الصف الثاني الثانوي) للعلامة ابن خلدون من كتابه الخالد المقدمة؛ يقول فيه: "ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين، سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث؛ وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخُلُقا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل سافلين".