إيهاب الملاح
لا أظن أن أحدًا يختلف حول فكرة أن "المعلم" هو أساس وجود طبقة وسطى حقيقية وقوية؛ فهو حامل قِيَمِها وناشرها بالأساس.. وقتما كان هذا المعلم موجودًا؛ كانت الطبقة الوسطى تمارس أدوارها بكفاءة واقتدار.. تلك الطبقة التي وصفها نجيب محفوظ باقتدار وإيجاز مذهل بقوله "تقدم أبناءها هدية لوطنها وفي وخدمته".
وحينما تم تدمير هذا المعلم، والحط من شأنه، وترْكِه فريسة لتيارات الظلام، والتخلف؛ تزلزلت أركان هذه الطبقة؛ بل تضعضعت وتشوهت قيمها تمامًا فيما أظن.
أتذكر ما قاله نجيب محفوظ في مذكراته التي حررها رجاء النقاش عن أستاذه للغة العربية الشيخ عجاج:
"كان الشيخ عجاج من أوائل الذين لفتوا انتباهي إلى جمال التراث العربي، وروعته، وثرائه؛ ففي دروس "البيان" كان يستشهد بأبيات شعرية - وأغلبها من شعر الغزل - وبحوادث ليست في المقرر الدراسي، وكنت أسأله عن مصدرها، فيدلني على عيون التراث العربي، مثل: "البيان والتبيين" للجاحظ. وذهبت إلى مكتبات خان الخليلي، وبحثت عن هذه الكتب طويلًا حتى اهتديت إليها، ونفعتني قراءتها كثيرًا فيما بعد.
كانت العلاقة بيني وبين الشيخ عجاج وديَّة للغاية. وكان من المعجبين بأسلوبي في الكتابة، كما عدَّ موضوعاتي في الإنشاء نماذج تحتذى للتلاميذ.. كان عندي اهتمام خاص باللغة العربية في سنوات دراستي الأولى، وانعكس ذلك في موضوعات الإنشاء التي كنا نقوم بكتابتها، وفي إجادتي لقواعد النحو والصرف. وإلى وقت قريب كنت أحرص على وجود قواميس اللغة العربية، وكتب النحو بجواري أثناء الكتابة، حتى أستعين بها إذا اختلط عليّ الأمر بين الكلمات الفصحى والعامية.".. من كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ"، للأستاذ رجاء النقاش.
لولا الشيخ عجاج مدرس اللغة العربية؛ ما كان لـ نجيب محفوظ أن يكون أهم كاتب بالعربية في القرنين الأخيرين.. تلك البداية الرائعة التي توفرت لـ نجيب محفوظ مع التعليم، واللغة العربية، من خلال أستاذ فريد التكوين مؤهَّل للتدريس، والتعامل مع الطلاب والتلاميذ. كانت نقطة الانطلاق أمام محفوظ لاكتشاف التراث العربي، والالتفات إلى روائعه وكنوزه؛ شعرًا ونثرًا، ولم يكن تدريس اللغة وتعلمها منفصلاً عن تذوق نصوصها.
أورد هنا هذه "الحكاية"؛ لكي أقول، إن سبب ما نحن فيه هو غياب نموذج "الشيخ عجاج"، مدرس اللغة العربية الذي يحبها أولًا، ويتقنها بوعي وإدراك ثانيا، ويقوم بتدريسها بشغف واحترام ثالثًا، وفوق كل هذا هو نموذج للمثقف الذي يرى بعينٍ بصيرة تلميذا نجيبا لامعا فيهتم به ويرشده ويساعده على تنمية ذائقته، وتطوير ملكاته اللغوية، ودعمه وتشجيعه. كل هذا كان من فعل شخص اسمه "الشيخ عجاج"، مدرس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية!
وقبل أن أسمع التسجيل المحفوظ، والنغمة المكررة، والشماعة الجاهزة "وهل الظرف مثل الظرف؟! وهل الأوضاع المعيشية والاقتصادية لمدرس اللغة العربية الآن تسمح بمثل هذا؟!"، أرد وأقول: نعم ليست مسئولية المدرس وحده، والدولة تتحمل ذلك "لا بد من توافر إرادة من أي نوع لإعادة النظر، واتخاذ خطوات على الطريق لإصلاح العملية التعليمية وعلى رأسها المدرس؛ إعداده وتأهيله، تحسين مستواه وظروفه.. إلخ".
ولكن كل هذا أيضًا لا ينفي، أنه لم يعد لدينا مدرس اللغة العربية المؤهَّل المثقف الذي يمتلك ذائقة لغوية سليمة، تم التعامل معها وتنميتها بأساليب صحيحة ومنذ سن مبكرة. غاب الأستاذ عجاج؛ فظهر "نجم المادة"، "وصاروخ المقرر"، و"إمبراطور اللغة العربية"، و"برنس النحو".. وغير ذلك من الهزل الماسخ الذي طفح على سطح حياتنا الاجتماعية في العقود الأخيرة.
عدد ضخم، وليس بالقليل ممن يمارسون مهنة التدريس، على الإطلاق، في حاجة إلى إعداد شامل، وتأهيل كامل ومن الألف إلى الياء، ثم - وبذات الدرجة - لا بد من تعزيز المكانة الاجتماعية، والإنسانية، والثقافية لمهنة "المعلم" التي وصلت إلى درجة من الانحدار، والابتذال، والتدني لا يوجد لها مثيل في أي مجتمعات أخرى.
المعلِّم الحقيقي، هو عمود الطبقة الوسطي المصرية، الذي كان وعيه وثقافته، وذائقته تعدل عشراتٍ ممن يحملون الآن لقب "دكتور"، وهم يجهلون أنهم يكتبون أسماءهم بطريقة خاطئة.. المعلم الذي كان في وقتٍ من الأوقات في مصر، هو "الشيخ عجاج" الذي وجَّه نجيب محفوظ كي يكون "نجيبًا"!