ماجدة محمود
ما أراه على مواقع التواصل الاجتماعي، واليوتيوب، يستفزنى تمامًا، مشهد أصبح مُكررًا، ولا داعى له، طالب فى حفل تخرجه، وفى حضرة أساتذته، يُنادى على اسمه ليتسلم شهادة تخرجه، فيخرج من بين الصفوف، وهو يرقص حتى يصل إلى منصة التكريم، ولا يتوقف، يظل يرقص، والأساتذة فى انتظار انتهاء وصلة الرقص ليسلم عليهم، ويتسلم شهادته، لم يراع أي أصول أو تقاليد أو بروتوكول لمثل هذا الاحتفال الجلل، والحدث الذى من المفروض انه انتظره لسنوات، وبات يحلم بلحظته الفاصلة فى عمره ومستقبله.
الأغرب، موقف الأساتذة الذين ظلوا يضحكون وينظرون لبعضهم البعض فى انتظار الظريف أبو دم خفيف، لينهى هذه الوصلة المُقززة، ولو كنت مكانهم ما سلمته شهادته، وكنت طالبت الأمن بإخراجه من القاعة، التى لها كل الاحترام والتبجيل، من حقه يفرح؟.. نعم، من حقه يرقص؟.. أكيد، ولكن لكل مقام مقال، هناك حفل يتم الاتفاق عليه بين الخريجين فى مكان عام "البروم" يرقصون، ويهتفون، ويفرحون فيه، أما في حضرة الأساتذة فلابد من الانضباط والالتزام بقواعد الزمان والمكان.
على خلفية ما يحدث الآن فى حفلات التخرج من الخريجات والخريجين، أتذكر جملة للفنان محمد هنيدى، فى فيلم
"رمضان أبو العلمين"، عندما قال: "هو المدرس مننا لما يدخل البيت ويتحط له الكيك والشاى هيبقى له كلمة"، مع اعتذارى للمعلمين، لكن احتياج المدرس لزيادة دخله، وتقلص فرص الإعارة للخارج اضطرته لإعطاء الدروس الخصوصية داخل البيوت، وفى السناتر، ما أدى لرفع الكلفة بينه وبين الطالب، وبدلًا من أن يتوارى الطالب خجلًا، إذا شاهد مدرسه فى الشارع، كما كنا نفعل تقديرًا واحترامًا، يقف الآن هو أمامه، ويتبادل معه أطراف الحديث فى الخاص قبل العام، ومن هنا بدأت المشكلة المتمثلة فى رفع الكُلفة، وبالتالي عدم الطاعة، والتحدى، وتعدى كثير من الحدود، والخطوط الحمراء، ما جعلنا نصل فى النهاية لهذه المشاهد غير المرغوب فيها، والتى أطاحت بكل أصيل فى مجتمعنا من هيبة وتبجيل، وامتنان لمن علمنى حرفًا.
الأكثر غرابة، مُشاهدة أولياء الأمور لهذه المشاهد دون اعتراض أو توجيه أو نصح بناتهم وأبنائهم بأن هذا لا يصح احترامًا للحدث، بل البعض منهم أصبح يُشارك بالرقص من أجل الفوز بـ"التريند" و"افرح يا قلبي لك نصيب تبلغ مناك، وتصطف مع المشاهير"، اللهث وراء الشهرة والمال قضيا على الأخضر واليابس فى سلوكياتنا وتقاليدنا على كل المستويات، ولا أقول الكل بل الكثير منهم.
داخل حرم جامعة القاهرة، يتم تخريج الدفعات الواحدة تلو الأخرى لم يحدث هذا الهرج والمرج لأن من يقومون على ترتيب وإعداد هذه الحفلات يراعون أصول وقواعد وهيبة وجلال المكان، تحت القبة لابد من الالتزام لأنهم يعلمون جيدًا أن رقصهم غير مسموح به، وباطل.