البث المباشر الراديو 9090
إيهاب الملاح
غريب فعلًا هذه الذاكرة وألاعيبها البهلوانية! فجأة ومن دون إنذار ،ولا سابق تحضير تجدها متوهجة مفعمة بالحركة والنشاط والوقائع، وتمد الحبال على استقامتها تريد أن تفرغ حمولتها كاملة، وإلا غرقت بما فيها في غياهب لا يعلم مداها ولا مصيرها ولا عمقها إلا الله!

دائمًا ما تدهمني هذه الحالة الشعورية و"الذاكرتية"، إن جاز الاشتقاق وقبلها منها أهل مجمع الخالدين "وليعذرونا إن لم يسيغوها!" لأتفه سبب، أو لأقل باعث يمكن أن يعتبره أحد باعثا من الأساس!

واحدة من طبعات سلسلة "اقرأ" لدرّة الجد المبدع الملهم يحيى حقي "‏1905-‏1992)".. "قنديل أم هاشم"، بغلافها الذي أحببته وارتاحت إليه العين، حركت الساكن وفجرت حشدًا مهولا من الذكريات، ووجدتني فجأة منغمسًا حتى النخاع في وقائع واستدعاءات، قراءات وحكايات، كتب ودراسات، مضى عليها ما يزيد على الثلاثين سنة!

الغلاف الذي أتحدث عنه هو غلاف الطبعة الثانية عشرة التي صدرت سنة 2004، غلاف جميل من أغلفة "قنديل أم هاشم" التي أحببتها جدًّا من تصميم الأستاذة منال بدران.

صدرت هذه الدرة الفريدة في طبعتها الأولى عام 1944 عن سلسلة "اقرأ".. ثم طبعت مرارًا، ردني الغلاف إلى أغلفةٍ، والطبعة إلى طبعات.."لتقرأ الرواية مجددًا يا إيهاب!" هكذا حدثتني نفسي، ومِلت إلى هذا الحديث، ورحبت به، وقررت تنفيذه خصوصًا أن الرواية أو "النوفيلا" إن جاز التعبير لا تستغرق أكثر من جلسة واحدة فقط، ولن تجاوزها إلى غيرها!

لا أذكر كم مرة قرأت فيها "قنديل أم هاشم"! ثلاث مرات.. ربما خمس.. أو أكثر.. لا أذكر! قرأتها مرارًا وفي كل مرة أقرأها أو أعيد قراءتها أتذكر ما قاله صاحبها في وصفها عندما سأله عنها الناقد الراحل الكبير فؤاد دوارة "1928-‏1996‏" يبحث عن تفسيره لاهتمام الناس اهتمامًا استثنائيا بروايته القصيرة «قنديل أم هاشم»، فأجابه يحيى حقي‏:‏ "غريب حقًّا اهتمام الناس بهذه القصة على هذا النحو. كأنني لم أكتب غيرها. أتعرف لماذا؟‏..‏ لقد خرجت من قلبي مباشره كطلقة الرصاص‏، فكان أن استقرت في قلوب الناس"..

هكذا أجاب يحيى حقي على سؤال فؤاد دوارة‏، وكانت إجابته أقرب ما تكون إلى العبارة الشائعة التي كثيرًا ما نرددها في أحاديثنا اليومية، وهي أن "ما يخرج من القلب يدخل إلى القلب"، كما يذكر رجاء النقاش الذي كان يحب يحيى حقي، ويحب فؤاد دوارة. وأنا بدوري أحبهم جميعا وأجلهم جميعا ويحتلون في قلبي أعز مكان!

والتبرير الذي يقدمه يحيى مقنع إلى حدٍ كبير، فما خرج من القلب ذهب إلى القلب، فيما يقول القدماء، والرواية التي خرجت من القلب مباشرة كالرصاصة، مشحونة المعاني والدلالات، بالغة التكثيف الذي يقول الكثير من الدلالات بأقل القليل من الكلمات، لا بد أن تنجح في أن تنقل إلى مَن يقرأها بعض ما شعر به الكاتب من احتدام وتوتّر وتفجّر وتوّهج أثناء فعل الكتابة.

عمومًا وقبل الانغماس في القراءة والتحليل، من المهم جدًّا الإشارة إلى أن مرجعي الأول في استدعاء بعض التفاصيل المتعلقة بهذا النص "الاستثنائي" في أدبنا المعاصر، وظروف نشره الأول، الحوار المطول المفصل الذي أجراه فؤاد دوارة مع يحيى حقي أو كما يسميه رجاء النقاش في حديثه عنه واستشهاده به "ذلك الحديث الشامل المهم المنشور في كتاب دوارة «عشره أدباء يتحدثون»، طبعة كتاب الهلال".

سامحوني على الاستطراد فالإشارة إلى هذا "الحوار" وهذا الكتاب الفاتن ردَّني إلى ما أحمله من امتنانٍ وافر للكتاب ولصاحبه على السواء! ربما أفصِّل القول في هذه المشاعر لاحقًا وأفصح عما أحدثه هذا الكتاب "أي عشرة أدباء يتحدثون" من أثرٍ في نفسي وعقلي.

يكفي فقط أن أشير إلى أنني تمنيتُ أن يكون لي كتاب مثله! ويكون عنوانه ومضمونه من القيمة ما يبقيه حيًّا وما يجعل قارئًا أ أكثر يغير من مسيرة حياته، ويقرر أن يكون شيئًا لكي يكتب كتابًا مثله!

                                              وللحديث بقية..

 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز