البث المباشر الراديو 9090
إيهاب الملاح
منذ صدورها في 1944، و«قنديل أم هاشم» واحدة من الروايات التأسيسية التي عالجت موضوع الشرق والغرب، والعلاقة المعقدة بين تكوينين وتركيبين ونظرتين للعالم، ستجدها حاضرة دومًا وسط حفنة معتبرة من الروايات المهمة؛ مثل «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، وغيرها من الروايات التي تعرضت للموضوع ذاته، كل مبدع من منظوره، وكل حسب معالجته الفنية ورؤيته الإبداعية.

أذكر أن المرحوم الناقد الدكتور عصام البهي، كان أستاذًا للدراسات الأدبية والنقدية بكلية البنات جامعة عين شمس، قد أنجز أطروحته للدكتوراه حول هذا الموضوع (الرحلة إلى الغرب في الرواية العربية الحديثة) متخذًا من الروايات سالفة الذكر مادة لها.

لكن قبل الاستفاضة في الحديث النقدي والتاريخي والتحليلي لهذا العمل التأسيسي في سردنا المعاصر، أرى من اللائق إضاءة الظرف التاريخي والثقافي الذي صدرت فيه الرواية أولًا، ثم ما نتج عن نشرها من أصداء جعلت صاحبها في بؤرة الضوء وفي قلب نجوم الكتابة وأعلامها الكبار جدا منذ أربعينيات القرن الماضي.

كنا أشرنا إلى الحوار الذي أجراه الناقد الراحل فؤاد دوارة مع أستاذه وملهمه وأبيه الروحي يحيى حقي في كتابه الجميل «عشرة أدباء يتحدثون»، في هذا الكتاب يقول يحيى حقي، صفحة 109 منه: "لقد تعبت جدًا في العثور على ناشر لقصة «قنديل أم هاشم»؛ والفضل في نشرها في سلسلة اقرأ العدد ‏18‏ في يونيو ‏1944‏ يعود إلى الأستاذ محمود شاكر‏ الذي قدمها للمشرفين على هذه السلسلة في دار المعارف‏، ثم يعود إلى الدكتور طه حسين الذي قرأها ورشحها للنشر".

كان يحيى حقي عند ظهور «قنديل أم هاشم» في التاسعة والثلاثين من عمره‏، وكان قد أصبح موظفًا كبيرًا في وزارة الخارجية‏، ولكنه في الحياة الأدبية كان مجهولًا أو شبه مجهول‏.


عندما ظهرت «قنديل أم هاشم» سنة ‏1944‏ لم يكن يحيى حقي معروفًا إلا في دائرة محدودة جدًا من أصدقائه ومعارفه‏، ولا شك أن من أهم أسباب ذلك أنه كان يعمل لفترة طويلة في السلك الدبلوماسي، امتدت حوالي ربع قرن‏، منذ سنة ‏1928‏ تقريبًا وحتى سنة ‏1954، وقد تنقل خلال هذه الفترة بين جدة واستامبول وروما وطرابلس في ليبيا‏.


يُضاف إلى هذا الغياب الطويل عن مصر ما يقوله يحيى حقي عن نفسه من ميل إلى الانطواء والعزلة‏، وهذا الميل لم يكن صفة شخصية خاصة به وحده‏، بل كان كما يقول هو نفسه صفه من صفات عائلتي التي كانت تميل إلى الانطوائية لأننا كنا أسرة موظفين من أصل تركي، وليس لنا أملاك إلا القليل. ولذلك كله كان من الطبيعي أن يجد يحيى حقي صعوبة في نشر كتابه الأول أي روايته القصيرة «قنديل أم هاشم».

عندما صدرت «قنديل أم هاشم» سنة ‏1944‏ كانت الحرب العالمية الثانية قد أوشكت على الانتهاء‏، ومن الواضح أن يحيى حقي كتب قصته أثناء هذه الحرب‏، أي في الفترة ما بين ‏1939‏ و‏1944، ورغم أن القصة ليس فيها أي إشارة إلى أجواء الحرب العالمية‏، فإنها كانت تحاول الإجابة على سؤال مهم جدًا طرحته هذه الحرب على وجدان الناس وتفكيرهم‏، خاصة بين المتعلمين والمثقفين منهم‏.

وهذا السؤال هو ببساطة‏:‏ ماذا نفعل مع الحضارة الغربية الجديدة التي تدق أبوابنا بعنف؟ هل نلغي أنفسنا لكي نكون نسخة طبق الأصل من هذه الحضارة؟، أو أن واجبنا يفرض علينا شيئا آخر وتصورا للأمور يختلف عن تصور الغربيين؟.


ولقد قامت قصة يحيى حقي على محاولة بديعة ورائعة للإجابة على السؤال الأساسي عن موقفنا من الغرب‏، وما يتفرع عن هذا السؤال من أسئلة أخرى عديدة.

وجاءت «قنديل أم هاشم» إجابة فنية صادقة مليئة بالحياة والحرارة‏، خالية من المناقشات الجافة والأفكار المجردة‏، وهي على بساطتها قصة غنية بالتلميحات والإشارات والإيحاءات‏، بقدر ما هي بعيدة كل البعد عن الخطابة والوعظ والتعقيدات الفكرية.


إنها بلغة نقاد ذلك الوقت "قصة تأخذك بسحرها من يدك‏، وتتحدث معك في همسٍ جميل‏، ولا تقول لك كل شيء بل تتركك وحدك مع نفسك لتتأمل وتفكر وتصل إلى ما تشاء من نتائج‏، هي ثمرة اجتهادك وليست ثمرة إملاء الفنان صاحب القصة عليك‏، وهذا هو ما يضمن للفن قوته وجماله وتأثيره المستمر القوي على الناس، لأن فن الخطب والزعيق لا يعيش‏، وإنما يعيش الفن الهامس الذي يخرج من قلب الفنان، وليس من حنجرته".
هكذا تكون الأعمال الأصيلة، وهكذا يكون الأدب الرائع المتجدد.. وللحديث بقية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز