البث المباشر الراديو 9090
ماريان جرجس
تغيرات جيوسياسية عميقة، تحدث في قلب الشرق الأوسط، وكأنه يبتعد تمامًا عن سيناريوهات التقسيم، التي كانت في وجدان الغرب منذ 1956، وأطلق عليها آنذاك «مبدأ أيزنهاور».

إضعاف الشرق الأوسط مبتغى إسرائيل، فما أجمل أن يُحاط ذلك الكيان بخصوم ضعاف، مشغولين بالانقسامات الداخلية، وتعدد الطوائف، وتناحرها على السلطة، مع فصائل مُسلحة تُعيق تقدم الدول، ولكن كان 2013، عامًا مفصليًا في المنطقة بأسرها، فبعدم سقوط الدولة المصرية، وعدم تقسيمها، أصبحت القاهرة، منذ ذلك الحين، المكوِّن القوي في معادلة الشرق الأوسط، والتي استطاعت أن تكون لاعبًا فاعلًا في كل الملفات المُلتهبة العربية بمواقف سياسية قوية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ونحن اليوم، وبعد إقرار وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ووجود نظام جديد في لبنان، وسوريا، ينبغي علينا إعادة ترتيب الأوراق، والأشياء على الطاولة، كما يروق لنا، دون تدخل غربي، أو أجنبي، يُشكل ملامح جديدة في الشرق الأوسط، تكون ذريعة لـ "ربيع عربي" مرة أخرى.

إعادة أعمار غزة، وسوريا، ولبنان، لا بد أن يتم بشكل جيد ومهني، على الأصعدة كافة، وليس على صعيد البنية التحتية فحسب، ولكن على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وهي مسؤولية كل العرب اليوم؛ فالقضية الفلسطينية، عليها جَنْيُ المكاسب الدبلوماسية، التي حصلت عليها إبان التصعيد العسكري الأخير، لتستطيع إقامة دولة فلسطينية موحدة وقوية، تحكمها حكومة وطنية، وتوثق اعتراف كثير من الدول بدولة فلسطين، فبدون قيام الدولة وعاصمتها القدس الشرقية، ستعود قوات الاحتلال مرة أخرى، وسيعود التهجير القسري، والإبادة، والتجويع، وكل الممارسات الوحشية.

من هنا تستطيع الدولة الفلسطينية الانطلاق سياسيًا، واقتصاديًا، وتنمويًا، وإقامة الموانى على شاطئ المتوسط، حتى يصبح القطاع الذي عانى من الويلات جزءًا من التجارة العالمية، ويصبح له أهمية دولية تعطيه ضمانة طويلة الأمد ضد أي احتلال في المُستقبل.

أما في لبنان، فـ على جوزيف عون، مواجهة التحديات القادمة، ونزع فتيل الأزمة، الذي قد يشتعل بسبب الطائفية، والنزاع على الحقائب الوزارية في حكومة نواف سلام، فلبنان مُشكلته الأكبر في تناحر الطوائف، والتي قد تتسبب في انسداد سياسي، وذريعة لتدخل الغرب ما إذا شعر حزب الله بالإقصاء في الحكومة الجديدة، واستغاث بالغرب للتدخل، مع بداية التنمية، وتعافي الاقتصاد اللبناني، وإعادة إعمار جنوب لبنان.

وفي سوريا، إعادة الإعمار لا بد أن تتم بأيادٍ عربية مع إعادة هيكلة المُجتمع السوري، وتشكيل فصائل سياسية مُنظمة وواعية، واستيعاب الأقليات، ووأد الفتن الطائفية، مما يضمن استدامة الاستقرار العربي في تلك المناطق.

لقد حذرت مصر من اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، منذ السابع من أكتوبر 2023، مما جعلها صاحبة رؤية استباقية تجاه ما يحدث في المنطقة، وهذا يجعل منها أهم لاعب في الشرق الأوسط، يستطيع أن يُدير دفة الأمور إلى الاتجاه الصحيح، حتى نرى شرق أوسط جديد بمُستقبل واعد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز