أحمد ياسر
وقالت حينها، إن "ما نراه هنا "فيما يتصل بتدمير لبنان.. والهجمات الإسرائيلية على لبنان عام 2006"، هو بمعنى "آلام الولادة" لـ"الشرق الأوسط الجديد" علي حد وصفها الدنيء.. وأيًا كان ما نفعله، فإننا "أي الولايات المتحدة" لا بد أن نتأكد من أننا ندفع إلى الأمام ـ نحو الشرق الأوسط الجديد "وأننا" لا نعود إلى الشرق الأوسط القديم".
وقد تعرضت وزيرة الخارجية رايس على الفور لانتقادات شديدة؛ بسبب تصريحاتها ـ سواء من داخل لبنان أو على المستوى الدولي ـ بسبب عدم اكتراثها بمعاناة أمة بأكملها، والتي كانت تتعرض للقصف العشوائي من جانب سلاح الجو الإسرائيلي.
وكان هذا الإعلان بمثابة تأكيد لـ"خريطة الطريق العسكرية" البريطانية الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، ويتلخص هذا المشروع - الذي كان في مراحل التخطيط لعدة سنوات - في خلق قوس من عدم الاستقرار، والفوضى والعنف يمتد من لبنان، وفلسطين، وسوريا إلى العراق، والخليج العربي، وإيران، وحدود أفغانستان التي يحرسها حلف شمال الأطلسي.
وقد طرحت واشنطن وتل أبيب مشروع "الشرق الأوسط الجديد" علنًا على أمل أن يصبح "لبنان" نقطة الضغط لإعادة تنظيم الشرق الأوسط بأكمله؛ وبالتالي إطلاق العنان لقوى "الفوضى البناءة"، وهذه "الفوضى البناءة" ـ التي تولد ظروف العنف والحرب في مختلف أنحاء المنطقة ـ سوف تستخدم بدورها لتمكين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل من إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، والتدخل في دول المنطقة بما يتفق مع احتياجاتها وأهدافها الجيوستراتيجية.
لقد مهَّد خطاب وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس حول "الشرق الأوسط الجديد" الطريق، وأدت الهجمات الإسرائيلية على لبنان ـ والتي حظيت بتأييد واشنطن ولندن بالكامل ـ إلى تقويض وإثبات وجود الأهداف الجيوستراتيجية للولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل.
كانت هناك خريطة غير معروفة نسبيًا للشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان التي تحرسها قوات حلف شمال الأطلسي، وهي خريطة متداولة في الدوائر الاستراتيجية، والحكومية، والسياسية، والعسكرية، التابعة لحلف شمال الأطلسي منذ منتصف عام 2006، وقد سُمح لها بالظهور على الملأ، ربما في محاولة لبناء الإجماع وإعداد عامة الناس ببطء للتغيرات المحتملة، وربما الكارثية، التي قد تحدث في الشرق الأوسط. وهذه خريطة للشرق الأوسط المُعاد رسمه وإعادة هيكلته والذي يُعرف باسم "الشرق الأوسط الجديد".
ونُشرت هذه الخريطة في مجلة القوات المسلحة الأمريكية في يونيو 2006، وعلى الرغم من أن الخريطة لا تعكس رسميًا عقيدة البنتاجون؛ فقد تم استخدامها في برنامج تدريبي في كلية الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي لكبار الضباط العسكريين، ومن المرجح أن تكون هذه الخريطة، فضلًا عن خرائط أخرى مماثلة، قد استخدمت في الأكاديمية الوطنية للحرب وكذلك في دوائر التخطيط العسكري.
ويبدو أن خريطة "الشرق الأوسط الجديد" هذه تستند إلى عديدٍ من الخرائط الأخرى، بما في ذلك خرائط أقدم للحدود المحتملة في الشرق الأوسط والتي تعود إلى عهد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون والذي بدأ مدته الرئاسية من 1913 وحتي 1921.
تم عرض هذه الخريطة وتقديمها باعتبارها من بنات أفكار المقدم المتقاعد "من الجيش الأمريكي" رالف بيترز، الذي يعتقد أن الحدود المعاد تصميمها في الخريطة ستحل بشكل أساسي مشاكل الشرق الأوسط المعاصر.. كانت خريطة "الشرق الأوسط الجديد" عنصرًا أساسيًا في كتاب المقدم المتقاعد "لا تستسلم أبداً"، الذي صدر للجمهور في العاشر من يوليو 2006، كما نُشرت هذه الخريطة للشرق الأوسط المُعاد رسمه، تحت عنوان "حدود الدم: كيف سيبدو الشرق الأوسط الأفضل"، في مجلة القوات المسلحة الأمريكية.
وكان المقدم بيترز، آخر من تم تعيينه في مكتب نائب رئيس الأركان لشؤون الاستخبارات، داخل وزارة الدفاع الأمريكية، وكان واحدًا من أبرز مؤلفي البنتاجون، حيث كتب عديدًا من المقالات حول الاستراتيجية للمجلات العسكرية والسياسة الخارجية الأمريكية، وقد كتب أن "الكتب الأربعة السابقة التي ألفها رالف بيترز حول الاستراتيجية، كانت ذات تأثير كبير في الدوائر الحكومية والعسكرية".
لقد تم الادعاء والتزوير في تقديم مفهوم إعادة رسم الشرق الأوسط بكونه ترتيبًا "إنسانيًا" و"عادلًا" من شأنه أن يعود بالنفع على شعوب الشرق الأوسط والمناطق المحيطة به وهذا غير صحيح لما نشاهده من تقسيم للمنطقة وفقا لخريطة حدود الدم التي تم الإعداد لها منذ قرن من الزمان وربما أكثر من ذلك.
ووفقًا لـ رالف بيترز نصًا: "إن الحدود الدولية لا تكون عادلة تماماً، ولكن درجة الظلم التي تفرضها على أولئك الذين تجبرهم الحدود على التقارب أو الانفصال تحدث فرقا هائلا ـ غالبًا ما يكون الفرق بين الحرية والقمع، والتسامح والفظاعة، وسيادة القانون والإرهاب، أو حتى السلام والحرب".
إن أكثر الحدود تعسفا وتشويها في العالم توجد في إفريقيا والشرق الأوسط، إن حدود إفريقيا، التي رسمها الأوروبيون المهتمون بمصالحهم الذاتية "والذين واجهوا صعوبة كافية في تحديد حدودهم بأنفسهم"، ما تزال تتسبب في مقتل الملايين من السكان المحليين.
ربما تكون كلمات رالف بيترز دليل علي الجهود والعقيدة الغربية الصهيو أمريكية الدنيئة لتقسيم المنطقة.
ووفقًا للبروفيسور مارك ليفين فإن "العولميين الليبراليين الجدد والمحافظين الجدد، وفي نهاية المطاف إدارة جورج بوش، سوف يتمسكون بالتدمير الخلاق كوسيلة لوصف العملية التي كانوا يأملون من خلالها في خلق أنظمة عالمية جديدة"، وأن ماوصفوه "بـ التدمير الخلاَّق" في الولايات المتحدة كان، على حد تعبير الفيلسوف المحافظ الجديد، ومستشار بوش مايكل ليدين، "قوة ثورية هائلة"!
ويبدو أن العراق الذي احتلته بريطانيا، وأمريكا، وخاصة كردستان العراق، كان بمثابة الأرض التحضيرية لتقسيم الشرق الأوسط.
وللحديث بقية..
بشأن تقسيم دول المنطقة إلي دويلات.