أحمد ياسر
من المُمكن، أن يكون صعود الصين وروسيا، الأقل استثماراً في القضية الفلسطينية، ولكنهما الحريصون على تحدي الهيمنة الغربية، وبالفعل، تقترح بكين وساطتها، في حين تعتمد موسكو على تحالفها مع إيران لترسيخ نفسها كلاعب لا غنى عنه، وستضطر الدول العربية إلى التنقل بين هذه الأقطاب الجديدة دون الوقوع في تبعية جديدة.
وعلى نحو آخر، فإن تصريحات الاستيلاء على قطاع غزة، ونقل سكانه الفلسطينيين من شأنه أن يقلب التوازنات الجيوستراتيجية الإقليمية والعالمية رأساً على عقب.
منظور الطاقة
الاستفادة من احتياطيات الغاز البحرية من شأنه أن يعزز نفوذ الولايات المتحدة ضد المنافسين مثل قطر وإيران، في حين يقلل من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي.
المستوى الإقليمي
تنظر الدول العربية لتصريحات ترامب على أنها انتهاك للقانون الدولي وتهديد لاستقرارها، في حين قد تستغل إيران وتركيا الأزمة لتهميش واشنطن وحلفائها.
الناحية القانونية
تنتهك الخطة المعايير الدولية، ولاسيما حظر عمليات نقل السكان القسرية، وحل الدولتين الذي أقرته جامعة الدول العربية، مما يضعف المؤسسات مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، وفيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فإنها تهمش السلطة الفلسطينية، وتدفن أي أمل في التعايش، وتخاطر بتأجيج حلقة من العنف من خلال التطرف.
الصعيد العالمي
قد يؤدي هذا القرار إلى تكثيف التنافس مع روسيا والصين، اللتين قد تستغلان الاستياء العربي، في حين تعمل أيضًا على تفتيت الوحدة الغربية بشأن القضية الفلسطينية، إن هذه الديناميكيات تعكس الرغبة في إعادة تشكيل الشرق الأوسط من خلال سياسات القوة، مع خطر عدم الاستقرار لفترة طويلة.
وفي قلب هذه الاضطرابات، تظل فلسطين مرآة للتناقضات العربية، وهي تكشف عن الفجوة بين الخطاب الرسمي، وحقائق القوة، وبين التضامن المعلن والحسابات الأنانية.
خطط ترامب لغزة، بسبب وحشيتها، قد تخلف تأثيراً غير متوقع علي الأنظمة العربية، وهذا هو التحدي النهائي، ليس فقط بالنسبة لغزة، بل وأيضاً بالنسبة لبقاء العالم العربي الذي يسعى إلى التماسك والكرامة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فرض الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال قرارات أحادية الجانب منفصلة عن الحقائق المحلية والإرث التاريخي الذي يشكل التوازنات الإقليمية، وأي نهج يتجاهل ديناميكيات المنطقة العميقة الجذور لا يمكن أن يؤدي إلا إلى زيادة التوترات وتقويض آفاق السلام.
والدبلوماسية الشاملة وحدها، القائمة على احترام القانون الدولي والنظر في تطلعات الشعب الفلسطيني، هي القادرة على تقديم بديل قابل للتطبيق لعدم الاستقرار المزمن.
إن السعي إلى تحقيق التوازن الدائم لا ينبغي أن يسترشد بالضرورات الأمنية الفورية بل برؤية استراتيجية قائمة على الحوار والتعاون والمصالح المتبادلة.
بدون "الإرادة المتضافرة" والنهج الشامل، فإن كل أزمة لن تؤدي إلا إلى إعادة إشعال الشروخ القائمة، مما يعرض العديد من البلدان العربية لمخاطر وجودية، إن إعادة النظر في وضع غزة لا يهدد القضية الفلسطينية فحسب، بل ويهز أيضا التماسك الداخلي للعديد من الدول العربية وبعض دول الخليج، التي يعتمد استقرارها جزئيا على التوازن الدقيق بين المشاركة الدبلوماسية وإدارة الحساسيات الوطنية.
ومن الممكن، أن تؤدي مثل هذه الديناميكيات إلى تأجيج وتفاقم الانقسامات السياسية، وتعزيز الحركات الاحتجاجية القادرة على زعزعة استقرار الأنظمة، التي تواجه بالفعل أزمات متعددة.
وبعيدًا عن خدمة الأمن الإقليمي، فإن مثل هذه السياسة تخاطر بخلق تأثير الدومينو مع تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من غزة، مما يدفع المنطقة بأكملها إلى عصر جديد من عدم اليقين والتنافس المتزايد.
وفي ضوء هذا، تجد الدول العربية نفسها عند مفترق طرق حرج، فالرد المتسرع على هذا القرار من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التهديدات لأمنها الوطني واستقرارها الداخلي.
في هذا الصدد، فإن الانحياز المتسرع إلى مشروع يُنظَر إليه باعتباره غير شرعي من شأنه أن يؤدي إلى ردود فعل شعبية عنيفة، مما يضعف الأنظمة المعرضة بالفعل للتحديات الاجتماعية والاقتصادية والانقسامات السياسية.
إن الخطر يكمن أيضا في تآكل الوحدة العربية، فالاستجابة غير المُنظمة أو المُنقسمة من شأنها أن تضعف هياكل مثل جامعة الدول العربية أكثر من ضعفها القائم بالفعل منذ زمن بعيد، والتي تعرضت بالفعل لانتقادات بسبب عدم كفاءتها، وتفتح الباب أمام التدخل الخارجي.
ولتجنب مثل هذا السيناريو، فإن الاستراتيجية الجماعية المدروسة ضرورية، التنديد الحازم بالتحويلات القسرية في حين تطوير مقترحات مضادة تضمن الحقوق الفلسطينية دون المساس بالمصالح الاستراتيجية العربية.
وبدون مثل هذا النهج، تخاطر الأنظمة بالتهميش، سواء في نظر جماهيرها أو على الساحة الدولية، مما يؤدي إلى تسريع الانحدار الجيوسياسي الجاري بالفعل.