البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
كانت المرة الأولى التي سافرت فيها إلى سيناء، في عام 1997، وقتها ذهبت في رحلة مع عدد من الأصدقاء إلى مدينة نويبع الساحلية، ورأيت هناك لأول مرة شواطئ من أجمل الشواطئ على الإطلاق، برمالها الناعمة الممتدة، ومياهها الصافية التي يمكن من خلالها رؤية الأسماك تسبح في هدوء، ثم توجهت إلى مدينة سانت كاترين، حيث صعدت إلى جبل موسى، وقضيت الليلة هناك قبل أن أعود إلى القاهرة بذكريات لا تنسى من تلك الرحلة.

أذكر أيضًا أنني التقيت وقتها بالراحلة الأستاذة سكينة فؤاد في مدينة سانت كاترين، وذكرتها بنفسي، إذ كنّا قد التقينا عدة مرات بمؤسسة الأهرام، وعندها سألتني عن ما أفعله في مدينة سانت كاترين، وإن كنت قد أتيت لحضور مؤتمر تصادف إقامته في نفس الوقت هناك، أجبتها أنني هنا بغرض السياحة، وأنني سوف أصعد إلى جبل موسى، لأقضي الليلة لمشاهدة شروق الشمس، وما زلت أذكر تلك الدهشة المصحوبة بالإعجاب، التي ارتسمت على وجهها، لأن شابًا مصريًا، صحفيًا، سوف يسلك سلوك الأجانب، في تسلق الجبل وقضاء الليلة في العراء على الجبل في انتظار الشروق.

ولمن لا يعرف فإن سيناء هي شبه جزيرة على شكل مثلث تربط بين إفريقيا وآسيا، وتغطي سيناء مساحة نحو 61.000 كيلومتر مربع، وتقع بين خليج السويس من الغرب، وخليج العقبة من الشرق، والبحر الأحمر من الجنوب، والبحر الأبيض المتوسط من الشمال.

ويمكن تقسيم شبه جزيرة سيناء جغرافيًا إلى منطقتين متميزتين، المنطقة الأولى هي المنطقة الجنوبية، والتي تتكون من الجبال، وتحتوي هذه المنطقة على أعلى نقطة في مصر، وهي جبل كاترين الذي يبلغ ارتفاعه نحو 2642 مترا، وجبل سيناء أو ما نعرفه نحن بجبل موسى، وهو مكان مقدس لليهود والمسيحيين والمسلمين، حيث يسافر الحجاج والسياح إلى هناك لرؤية الموقع، الذي يقال إن موسى تلقى فيه الوصايا العشر من الله، وهو الموقع الذي تعده الدولة الآن سياحيًا تحت مسمى، "التجلي الأعظم فوق أرض السلام" وهو عبارة عن مشروع تطويري بَحت، يهدف إلى إحياء المكانة الروحانية والدينية لمدينة سانت كاترين في جنوب سيناء.

ويرتكز مشروع التجلي الأعظم، على إعادة تخطيط المدينة بالكامل، والحفاظ عليها كمحمية طبيعية، وذلك من خلال إبراز البُعد الجمالي، والطابع البدوي التراثي، لأهالي مدينة سانت كاترين؛ من خلال وضع معايير التنمية المستدامة في الاعتبار عند تنفيذ أعمال التطوير.

بينما تشكل المنطقة الثانية ثلثي سيناء، وهي عبارة عن هضبة، تنحدر من ارتفاعات تزيد عن 900 متر إلى البحر الأبيض المتوسط، وتبلغ المساحة الكلية لمحافظة شمال سيناء 28900 كم مربع، في حين تبلغ المساحة المأهولة نسبة %2.7 من مساحة المحافظة، ويبلغ معدل النمو الحقيقي للمحافظة نحو %3.2، تساهم المحافظة بحوالي %1.8 من إجمالي الناتج القومي المحلي، ويمثل قطاع البترول أكبر القطاعات الاقتصادية بالمحافظة.

والحقيقة أن الرحلة الأولى التي ذكرتها، والتي تبعتها رحلات كثيرة فيما بعد إلى جنوب سيناء، كان لها عظيم الأثر في نفسي، ليس فقط بسبب الشواطئ، ولا المتعة الروحية التي شعرت بها، عند استيقاظي لمشاهدة شروق الشمس، من تلك البقعة الفريدة، ولا ما شاهدته أيضًا طوال الطريق، من جبال ووديان شاحرة، وصخور بألوان شَتَّى، وطبيعة ليس لها مثيل، ولا حتى الوديان الملونة التي زرتها مع دليل من البدو، والتي تضاهي بل وربما تفوق في روعتها، تلك الوديان التي نشاهدها في الأفلام الوثائقية التي يصورها الجغرافيون ليسجلوا فيها عجائب الطبيعة، ولكن أكثر ما أسعدني وقتها، هو كيف أن مصر لم تسمح أبدًا بأن تكون تلك الأرض الساحرة تحت الاحتلال.

والحقيقة أيضًا أن الجيش المصري، بما سطره من ملحمة رائعة في حرب تحرير سيناء، وأيضًا المفاوض المصري العنيد، الذي حرص بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، على استعادة كل شبر من تلك الأرض، يستحقون كل التحية وإلإجلال، لأنهم ببساطة، حفظوا لنا تلك البقعة الساحرة، لتكون قبلة لأبناء الوطن في السياحة والتعمير أيضًا، وهو ما أظن أنه يحدث الآن، ضمن الخطة التي أعدتها الدولة لتعمير سيناء، والاستفادة من ثرواتها العظيمة أيضًا.

واليوم وأنا أتذكر هذه الرحلة التي لم أنسَها أبدًا، بل إنها كانت بداية انطلاقي في السفر، ليس فقط في داخل مصر، بل وإلى خارجها أيضًا، تلك الرحلات التي ذهبت فيها إلى مناطق عديدة من العالم، والتي أكدت لي أن مصر، هي واحدة من أجمل بلدان العالم، وأن سيناء بشواطئها وجبالها، هي أكثر شواطئ وجبال العالم جمالًا على الإطلاق، وهو ما يجعلني أتوجه دائمًا، بالشكر لقواتنا المسلحة الباسلة وإلى الدولة المصرية، على ما بذلوه من دماء وجهد، في سبيل تحريرها، وإلى كل من يسعى جاهدًا لتعميرها أيضًا، من أجل أن يصبح شعار تحيا مصر، حقيقةً وواقعًا، وليس مجرد شعار، يتداوله المحبون لهذا البلد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز