البث المباشر الراديو 9090
ماريان جرجس
الزمان: أكتوبر 2025. المكان: مدينة السلام شرم الشيخ. منتج العمل: المخابرات المصرية. فريق العمل: المفاوضون المصريون. الإخراج: الرئيس عبد الفتاح السيسي.

أتذكر أنه ـ دائمًا ـ في إحياء ذكرى ثورة يونيو 2013 من كل عام، يتردد على مسامعي وداخلي أن تلك الثورة لم تكن ثورة عادية، بل كانت حراكًا شعبيًا حماه الجيش المصري، استطاع أن يعدّل ميزان المنطقة بأكملها ويعيد بوصلة الوطن العربي التي كادت أن تصدأ.

فقبل ثورة يونيو، كان الحديث عن صفقة القرن بشكل أكثر صراحة بشقّيها السياسي والاقتصادي، وعن تبادل أراضٍ في مصر والأردن بأراضٍ في صحراء النقب، وتوطين الفلسطينيين في سيناء، والتفريط في أراضٍ من سيناء من أجل إقامة الوطن البديل.

وعندما اعتدلت الأحداث والزمان بقيام ثورة يونيو 2013، أصبح الحديث عن صفقة القرن في عام 2020 أقل جرأة، فهي صفقة من تصميم جيورا إيلاند، أحد مستشاري الأمن القومي الإسرائيلي السابقين، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب وأحد كبار مستشاري البيت الأبيض، وهو رجل أعمال يهودي، وأبرز من تولوا ملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لكنه لم يستطع أن يقدم الشق السياسي من صفقة القرن في 2020، بل قدم الجزء الاقتصادي منها، وهو استثمارات بقيمة 50 مليار دولار في قطاع غزة، وقدمها كخطة سلام للشرق الأوسط، وتم رفض الصفقة، ورحل ترامب عن الحكم أربع سنوات، ثم عاد مجددًا.

ومنذ التصعيد العسكري في 7 أكتوبر 2023، كانت تصريحاته تخرج من المكتب البيضاوي بشكل منفرد، عن ضرورة التهجير واستقبال مصر والأردن لأهالينا في غزة، ثم تحدث عن "ريفييرا الشرق الأوسط"، وكلها كانت تصريحات ترفضها مصر بحدة، ويرفضها العرب تباعًا.

حتى وصلنا إلى أكتوبر 2025، ولا أعلم، فربما لهذا الشهر سحر خاص في التاريخ المصري؟ فهو يذكرنا بنصر أكتوبر المجيد الذي عدّل بوصلة وميزان القوى في المنطقة أيضًا. ولكن في عام 2025، وصلنا إلى وقف إطلاق النار وبارقة أمل لشعوب المنطقة، كما قال الرئيس السيسي، والوصول إلى اتفاق سلام بمنتهى الأريحية والهدوء وفي وقت قصير جدًا.

ولا بد أنها كانت خلطة سرية وُضعت على طاولة المفاوضات التي جمعت المفاوض المصري البارع بالفريق التركي والأمريكي والقطري والإسرائيلي وقادة حماس على طاولة واحدة، التف حولها الدبلوماسي المصري الماهر، والاستخباراتي المصري البارع، والقيادة السياسية المصرية.

فترى جاريد كوشنر وهو يدخل قاعة المؤتمرات في شرم الشيخ ليشارك ويوافق على الاتفاق الذي تم بإخراج مصري بارع، وتتعجب! ألم يكن ذلك كوشنر الذي أراد أن ينفذ صفقة القرن ويغيّر ملامح الشرق الأوسط؟! لقد انصهرت صفقته الخاسرة، وأصبح واحدًا من الشخصيات التي تم تطويعها في اتفاق شرم الشيخ للسلام، ذلك الاتفاق الذي ينهي صراعًا دام عامين، وأدخل الفرحة على قلوب الفلسطينيين، ويدحض سيناريو التهجير إلى الأبد.

هكذا ألقى كوشنر كل أوراقه، صفقة عمره، في البحر الأحمر، إيمانًا بأن مصر استطاعت بدورها الإقليمي البارز، وقوتها الاستخباراتية والدبلوماسية، وبكروت ضغط حقيقية، أن تحقق هي صفقة القرن الحقيقية، ولكن النسخة المصرية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز