ماريان جرجس
"منصات الرهانات" وتطبيقات الرهانات؛ اقتصاد الظل والمقامرات الرقمية التي تبتلع وعي الشباب وتتلاعب بنفسيتهم، تلك المنصات الإلكترونية التي تعمل من خارج الحدود القانونية للدول، وغالبًا دون تراخيص حقيقية، وكل تفصيلة بها تفصيلة آثمة لها القدرة على التلاعب بنفسيات المستخدمين بشكل محترف للغاية، وتبلغ حجم الأموال المتداولة في بعض المنصات ما يفوق ميزانيات دول صغرى، مما يجعلها قوة اقتصادية تتجاوز أي رقابة حكومية.
ليست الأضرار الاقتصادية هي الشيء الوحيد المخيف حيال تلك المنصات المرعبة، ولكن – في رأيي – فالتأثير النفسي والاجتماعي أكثر خطورة.
تبدأ القصة برهان بسيط لا يتجاوز العشر جنيهات، تتربح منه في أقل من الثانية ربما مائة جنيه، عن طريق لعبة بسيطة جدًا مثل الطاولة، الروليت، البوكر، لعبة الطائرة أو لعبة المضاعِف، أو الرهان على المباريات، ثم تبدأ عملية الإدمان النفسي وتبدأ الخدعة الأولى: "أنا بلعب من أجل التسلية".
لكنها مجرد العباءة الأولى التي يرتديها مدمن الرهانات الذي يتمتع بوعي جيد لكي يبرر لنفسه استمرارية اللعب، ولكن إذا كان أقل وعيًا أو أصغر سنًا فسيتحوّل داخله إلى وحش لا يسمع من حوله، لا يطيق من حوله، معزول تمامًا عن العالم، غير مدرك للوقت أو المكان أو الزمان، مأسور داخل شاشة الموبايل، يخسر 100 مرة ولكنه كسب في المرة الأولى، والتي لم تكن حظًا أو صدفة، ولكنها جرعة الدوبامين التي وضعها الخبراء النفسيون لتلك اللعبة، ليتعلق بها اللاعب فيكرر الرهانات ويخسر في كل مرة.
تصبح حياة مدمن الرهانات مجرد أرقام، أرقام مباريات خسر أو كسب، عن فرق لا يعلمها ولا يتابعها كرويًا، هو يتابع أرقامها فحسب، أو يتحوّل ما أهم في يومه: كم مرة لم تنفجر الطائرة في اللعبة!
أهكذا هو مصير البشر؟ أهذا هو الإنسان الذي احترمه الخالق وميّزه عن بقية المخلوقات ليصبح له إدراك ووعي وعقل وخيال وحياة وقلب ومشاعر ليبدع ويصنع ويطور، يصبح أسيرًا لطائرة تنفجر وعجلة تدور؟ أهي إهانة للبشر؟
ما لا يعلمه مدمن الرهانات الذي سرعان ما يفرح بالربح ويثق أنه من أكثر الناس حظًا وأن الحظ حليفه، أن كل ما يشعر به منذ أن دخل منصات الرهانات الإلكترونية هو مدروس ومخطط له من الخبراء النفسيين الذين شاركوا في تلك اللعبة: كم مرة يشعر بالسعادة، كم مرة يشعر بالغضب، كم مرة يشعر بالإحباط، كم مرة يشعر بأنه محظوظ! أو أنه يلعب من أجل تحقيق مبلغ معين ثم ينسحب، كيف يتحول إلى إنسان غضوب، ناقم، مثار عصبيًا، عنيف.
ما لا يعلمه المستخدم أن تلك اللعبة موضوعة بخوارزميات معينة لكي يكون الرابح الوحيد فيها هو اللعبة، وليس المستخدم، وليست مثل اليانصيب؛ يخسر البعض ليكسب البعض، على الإطلاق، فالجميع خاسرون في الرهانات الإلكترونية، والرابح الوحيد هو الآثم الذي صممها.
ولذا أطالب الحكومة المصرية بمنع تلك المنصات لما لها من أضرار اقتصادية بالغة، ولما لها من تأثير نفسي ومجتمعي على المستخدمين، مما قد يزيد من معدل الجريمة في المجتمع المصري.