البث المباشر الراديو 9090
د. سهى علي رجب
ليست كل الرحلات سواء، فثمة رحلات تنتهي بانتهاء الطريق، وأخرى تبقى حية في الذاكرة الإنسانية مهما تعاقبت القرون، ومن بين هذه الرحلات الخالدة، تظل رحلة العائلة المقدسة إلى مصر واحدة من أعظم الرحلات التي عرفها التاريخ، رحلة لم تعبر أرضا فحسب، بل عبرت إلى قلب أمة كاملة، فتركت فيه أثرا لا يزول.

قبل أكثر من ألفي عام، كانت أم تحمل طفلها المبارك، ويصحبها رجل صالح، يبحثون عن الأمان في عالم تضطرب فيه القلوب وتضيق فيه السبل.

كانت مصر يومها هي الملاذ، وكانت أرضها الرحبة هي الحضن الذي استقبل العائلة المقدسة فارّة من بطش الطغيان، وكأن القدر اختار لهذه الأرض أن تؤدي دورها التاريخي الأبدي، ملجأ للخائفين، وملاذا للباحثين عن السلام.

ومنذ أن وطئت أقدام العائلة المباركة أرض مصر، في 1 يونيو (الموافق 24 بشنس في التقويم القبطي)، منذ ذلك التاريخ لم تعد الأماكن التي مرت بها مجرد بقاع جغرافية بل تحولت إلى شواهد حية على قصة إيمان ومحبة وصبر، في كل محطة من محطات الرحلة حكاية، وفي كل كنيسة أو دير أو شجرة أو عين ماء ذكرى تتوارثها الأجيال، وكأن الزمن توقف هناك احترامًا لعبور تلك القافلة المقدسة.

ولعل ما يمنح هذه الرحلة خصوصيتها أن مصر لم تكن مجرد محطة عابرة في طريق الهروب، بل كانت وطنا احتضن السيد المسيح طفلا، واحتضن أمه السيدة العذراء، وفتح لهما أبوابه وقراه ومدنه، لذلك ارتبطت هذه الرحلة بالوجدان المصري ارتباطا يتجاوز حدود العقيدة إلى رحابة الانتماء الحضاري والإنساني.

وحين نحيي اليوم ذكرى زيارة العائلة المقدسة، فإننا لا نستدعي حدثا تاريخيا من صفحات الماضي، بل نستحضر معنى عميقا ما أحوج عالمنا إليه.. نستحضر قيمة الأمان في مواجهة الخوف، والمحبة في مواجهة الكراهية، والرحمة في مواجهة القسوة.. إنها القيم ذاتها التي حملتها الرحلة المباركة، وما زالت تنبض في رسالتها حتى يومنا هذا.

لقد منحت هذه الزيارة مصر مكانة روحية استثنائية في العالم، وجعلتها مقصدا للمؤمنين والباحثين عن البركة والسلام، لكنها في الوقت نفسه منحتها مكانة ثقافية وحضارية لا تقل أهمية، إذ تحوّل مسار العائلة المقدسة إلى جسر يربط بين الشعوب والثقافات، ويقدم للعالم وجه مصر الحقيقي، مصر التي تستوعب التنوع، وتحفظ الذاكرة، وتكرم تراثها الروحي والإنساني.

وعندما تتجه أنظار العالم إلى مواقع رحلة العائلة المقدسة الممتدة على أرض مصر، فإنها لا ترى آثارا حجرية صامتة، بل ترى قصة أمة احتضنت رسالة السماء، وحافظت عليها عبر القرون.

ترى حضارة تعرف كيف تحترم المقدس، وكيف تحول التاريخ إلى قوة ناعمة تخاطب الضمير الإنساني في كل مكان.

إقليميا، تمثل هذه الذكرى رسالة بليغة في زمن يموج بالصراعات والانقسامات.. رسالة تقول إن الأرض التي فتحت ذراعيها للعائلة المقدسة منذ ألفي عام ما زالت قادرة على نشر ثقافة التعايش والسلام.

ودوليا، تقدم مصر من خلال هذا التراث الفريد نموذجا إنسانيا يجمع ولا يفرق، ويبني الجسور بدلا من الجدران.

وفي كل عام، حين تعود ذكرى الزيارة المباركة، تتجدد الحكاية.. لا حكاية رحلة انتهت، بل حكاية بركة ما زالت تسري في المكان، وحكاية وطن اختاره الله ليكون مأمنا لطفل سيحمل رسالة المحبة إلى العالم.

لهذا لا نحتفل بذكرى مرور العائلة المقدسة من مصر فحسب، بل نحتفل بمعنى أعمق، نحتفل بمصر نفسها، بتاريخها الروحي، ورسالتها الإنسانية، وقدرتها الدائمة على أن تكون أرضا للسلام، وبيتا للمحبة، وملاذا لكل من ضاقت به الأرض بما رحبت.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز