البث المباشر الراديو 9090
ماريان جرجس
إن التطوير هو أساس الرؤية المصرية منذ قيام دولة الثلاثين من يونيو، إذ ارتأت الدولة أن للمواطن المصري الحق الكامل في أن يحيا حياة كريمة، ويحظى بخدمات تليق به وبآدميته. وانقسم التطوير إلى شقين: رفع الكفاءة، والإحلال والتغيير الكامل.

ولأن المواطن المصري ظل حبيس منطقة الراحة أو دائرة الأمان طوال العقود الماضية، ولم يكن يرى تغيرًا حقيقيًا فيما حوله، فقد اعتاد الواقع القائم، وأصبح التطوير بالنسبة إليه أمرًا جديدًا وغير مألوف. ومن ثم، فإن دائرة الأمان والاعتياد تمثلان أكبر التحديات أمام مسيرة التطوير.

ومن هنا، كان لا بد من إشراك المواطن في حلم التطوير، حتى لا يراه مجرد قرارات نافذة لا جدال فيها ولا نقاش حولها. فالحكومة تنظر إلى المشهد من منظور التخطيط الشامل، وترى الصورة من زاوية واسعة، بينما يظل المواطن على أرض الواقع لا يرى سوى زاويته الخاصة، فيعتبر أي تغيير يهدد دائرة الأمان التي اعتادها خطرًا، لا حلمًا.

لكن المواطن المصري يمكن أن يصبح هو نفسه المطالب بالتطوير، وأن يتحمل كلفته المعنوية، ويحلم ويرى بعين الدولة ثمار هذا التطوير، إذا أدرك حجم التحديات التي فرضها تهالك البنى التحتية، وفهم أن الخدمات المقدمة كادت أن تتوقف أو تتراجع لولا التطوير، سواء في المواصلات أو المستشفيات أو غيرها، وأنها لم تعد قادرة على استيعاب الزيادة السكانية الكبيرة.

وبين المواطن والدولة، لا بد من وجود وسيط قادر على إيصال الصورة، وتمهيد الخطوات، وجعل المواطن أكثر قدرة على استيعاب التغيير، فضلًا عن متابعة آثار التطوير على حياته، وتأهيله للتكيف معه، والعمل على تذليل العقبات، بما يجعل طريق التطوير أكثر سهولة ويسرًا.

ويظهر ذلك في العديد من النماذج، مثل الطواقم الطبية التي قد تنزعج من تطوير المستشفيات وما يترتب عليه من نقلها إلى مستشفيات أخرى، أو المواطنين الذين ينتقلون من المناطق العشوائية إلى مجتمعات عمرانية جديدة. وهنا تأتي أهمية توفير المعلومات، وإنشاء مكاتب استشارية ذات طابع اجتماعي، وتقديم أكثر من بديل، وطرح الخيارات أمام المواطن، وجعله شريكًا أساسيًا في صناعة قرارات التطوير.

ومن هنا، أتمنى وأقترح إنشاء وزارة للتطوير والتأهيل والمتابعة، تتولى متابعة مشروعات التطوير وآثارها على المواطن المصري، ورصد التحديات التي تواجهه، والاستماع إلى مشكلاته في كل عملية تطوير أو نقل أو تغيير، سواء في مقر العمل أو السكن. فعندما يرى المواطن بعين الدولة، سيُقدر حجم الإنفاق والجهد المبذول من أجله ومن أجل الأجيال القادمة، وعندما ترى الدولة بعين المواطن، ستتمكن من طرح حلول أكثر واقعية لمشكلاته وتحدياته، فتكتمل رواية التطوير.

عندئذ، لن نجد طبيبًا مستاءً من انتقاله إلى مستشفى أخرى، بل سيجد نفسه جزءًا من منظومة أكثر تطورًا وكفاءة، ولن نجد مواطنًا مستاءً من تغيير محل سكنه إذا وجد البديل المناسب والتعويض العادل، وشعر بأنه شريك في رحلة التنمية، لا مجرد متلقٍ لقراراتها.

إن رواية التطوير المصرية رواية ثرية، تستحق الإشادة والتقدير، ليس فقط بما حققته من إنجازات، وإنما أيضًا بما يمكن أن تحققه عندما يصبح المواطن شريكًا كاملًا في فهمها، والإيمان بها، وصناعة نجاحها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز