البث المباشر الراديو 9090
د. مصطفى النقيب
يشكو العالم اليوم من تراجع العديد من السلوكيات والقيم في مختلف المجتمعات، إلا أن حجم هذه المشكلة يختلف من مجتمع إلى آخر، وفقًا لمجموعة من العوامل المرتبطة بمستوى التعليم، ومدى تطبيق القانون، والثقافة العامة السائدة، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب جودة التخطيط الحضري للمدن والبيئات المحيطة بالأفراد.

ويعود تراجع السلوكيات والقيم إلى أسباب متعددة، يأتي في مقدمتها ضعف التربية على المبادئ الأخلاقية والسلوكيات الإيجابية منذ الصغر، فالطفل هو مرآة أسرته، تنعكس عليه التصرفات والقيم التي يكتسبها في سنواته الأولى، لتصبح جزءًا من شخصيته وطريقة تعامله مع الآخرين.

كما أسهم تراجع دور المدرسة والأنشطة التربوية المصاحبة للعملية التعليمية في التأثير على بناء شخصية الطلاب، بعدما كان التعليم لا يقتصر على تحصيل المعرفة فقط، بل يمتد إلى غرس القيم والانضباط وتعزيز روح المسؤولية والانتماء.

ولا يمكن إغفال تأثير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي أصبحت جزءًا من حياة الكثيرين، والتي تلعب دورًا مباشرًا في زيادة التوتر والعصبية وتراجع القدرة على ضبط السلوك في المواقف اليومية.

كذلك فإن ضعف تطبيق القوانين أو غياب العدالة في تنفيذها يؤدي إلى ترسيخ بعض السلوكيات السلبية، ويضعف الشعور بالمسؤولية والالتزام لدى أفراد المجتمع.

ويأتي دور بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ليضيف تحديًا جديدًا، خاصة مع انتشار نماذج وسلوكيات لا تتوافق مع قيم المجتمع، في ظل غياب الرقابة الذاتية وضعف الوعي لدى بعض المستخدمين.

كما أن غياب القدوة الإيجابية في بعض المؤسسات والمجالات المختلفة يمثل عاملًا مؤثرًا في تراجع منظومة القيم، فالإنسان غالبًا ما يتأثر بما يراه من حوله، ويكتسب الكثير من سلوكياته من النماذج المحيطة به.

ورغم تعدد الأسباب، فإن الأسرة تظل صاحبة الدور الأكبر والأكثر تأثيرًا في استعادة السلوكيات الإيجابية، من خلال ترسيخ قيم التربية السليمة، والالتزام بالمبادئ الأخلاقية والدينية، وتعليم الأبناء احترام الآخرين والنظام العام منذ السنوات الأولى.

ومن أبرز المظاهر التي يلاحظها الناس في التعاملات اليومية:

- ضعف الالتزام بقواعد المرور وآداب الطريق.
- العصبية وسرعة الانفعال في التعاملات اليومية.
- التجاوز في الأسواق ووسائل النقل والأماكن العامة.
- إهمال النظافة وعدم المحافظة على الممتلكات العامة.
- تراجع الذوق العام في بعض المظاهر والسلوكيات.
- انتشار بعض الممارسات التي تفتقر إلى احترام الآخرين أو مراعاة المساحات المشتركة بين أفراد المجتمع.

ولا يمكن أن تعتمد مواجهة هذه الظواهر على العقوبات وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من بناء الإنسان، وتشمل:

- تعزيز التربية الأخلاقية والسلوكية داخل الأسرة والمدرسة.
- ترسيخ ثقافة احترام القانون وتطبيقه بعدالة على الجميع.
- إطلاق حملات إعلامية مستمرة لنشر ثقافة الذوق العام والسلوك الحضاري.
- تحسين جودة الأماكن العامة ووسائل النقل والخدمات، لأن البيئة المنظمة تساعد على انتشار السلوك المنظم.
- دعم الأنشطة الثقافية والرياضية والتطوعية التي تعزز قيم الانتماء والمسؤولية.
- إبراز النماذج الإيجابية وتكريم أصحاب السلوكيات البناءة بدلًا من التركيز فقط على الظواهر السلبية.

وفي النهاية، فإن تحضر المجتمعات لا يُقاس فقط بجودة الطرق أو روعة المباني أو التقدم التكنولوجي، وإنما يُقاس أيضًا بطريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض، ومدى احترامهم للنظام، وحرصهم على المرافق العامة، ومستوى الذوق العام في السلوك والمظهر.

فبناء الإنسان يظل الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها كل مشروعات التنمية المستدامة، لأن المجتمع الراقي يبدأ من مواطن يدرك أن سلوكه اليومي ليس شأنًا شخصيًا فقط، بل هو انعكاس حقيقي لقيم المجتمع وهويته.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز