البث المباشر الراديو 9090
د. مصطفى النقيب
عندما نتأمل مشهد الحياة اليومية في كثير من دول العالم، ندرك أن التقدم المادي وحده لم ينجح في صناعة إنسان أكثر رقيًا في سلوكه.

فقد ارتفعت ناطحات السحاب، وتسارعت وسائل النقل، وتطورت التكنولوجيا ووسائل الاتصال، لكن ذلك تزامن في كثير من الأحيان مع تراجع قيم الاحترام والتسامح، والذوق العام، وآداب الحديث، والإحساس بالآخر.

 

ومن اللافت أن دولًا مثل اليابان وفنلندا وألمانيا نجحت في تحقيق معادلة صعبة؛ إذ لم تعتمد على القوانين الرادعة وحدها، بل غرست منذ الطفولة ثقافة احترام الإنسان والمكان والوقت. فالقانون يحمي المجتمع من المخالفين، لكنه لا يستطيع مراقبة كل تصرف، بينما يظل الضمير الحي والقيم الراسخة هما الرقيب الدائم الذي لا يغيب.

ومع الثورة الرقمية الهائلة وتطور تكنولوجيا المعلومات، سواء في صورتها الحقيقية أو المضللة، فرض واقع جديد نفسه على المجتمعات. فالإنسان أصبح يتلقى في يوم واحد من المؤثرات الثقافية ما كان يحتاج إلى سنوات لاكتسابه في الماضي، وانتقلت أنماط السلوك بسرعة غير مسبوقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبحت الشهرة تُمنح أحيانًا لمن يثير الجدل أكثر ممن يقدم القدوة الحسنة. وأصبح الشباب يواجهون تحديًا حقيقيًا في التمييز بين الحرية والمسؤولية، وبين التعبير عن الذات واحترام المجتمع.

ولذلك، فإن الدول التي نجحت في الارتقاء بسلوك مواطنيها تبنت مشروعًا وطنيًا طويل الأمد لبناء الإنسان. فلم يعد التعليم يقتصر على نقل المعرفة، بل أصبح يهتم بتنمية مهارات الحوار، واحترام التنوع، والعمل الجماعي، والانضباط، وتحمل المسؤولية، وتعزيز قيم الولاء والانتماء. كما تتبنى الدولة برامج لتأهيل الشباب قبل التحاقهم بسوق العمل، بهدف ترسيخ هذه القيم وتحويلها إلى سلوك عملي في بيئات العمل والمجتمع.

ولم يتوقف الأمر عند التعليم، بل امتد إلى تخطيط المدن نفسها، فأصبحت تُصمم بما يشجع على النظام، ويحترم المشاة، ويوفر مساحات عامة نظيفة وآمنة، لأن البيئة المنظمة تسهم بطبيعتها في إنتاج سلوك منظم، بينما تغذي الفوضى مزيدًا من السلوكيات السلبية.

إن بناء المدن الحديثة يمثل إنجازًا حضاريًا كبيرًا، لكنه لا يكتمل إلا ببناء الإنسان القادر على التعامل مع هذه المنجزات بروح المسؤولية. فلا قيمة لطرق حديثة إذا أسيء استخدامها، ولا لحدائق جميلة إذا غابت ثقافة الحفاظ عليها، ولا لقوانين متطورة إذا افتقد المجتمع احترامها. فالتقدم الحقيقي لا يقاس بما نشيده من مبانٍ فقط، وإنما بما نغرسه من قيم في نفوس البشر.

إن الدول التي صنعت مكانتها في التاريخ لم تنجح بقوة اقتصادها وحده، وإنما نجحت أولًا في بناء الإنسان الواعي، الذي يحافظ على الممتلكات العامة، ويحترم القانون، ويصون المال العام، ويعامل الآخرين بأخلاق راقية، ثم ينقل هذه القيم إلى أبنائه لتصبح ثقافة مجتمعية راسخة.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر وحده، بل في الضمير والعقل والأخلاق. فكل جنيه يُنفق على التربية والثقافة وبناء القيم يوفر أضعافه من تكاليف الإصلاح، ويقلل من آثار الفوضى، ويعزز الاستقرار والتنمية.

إن الحضارة تبدأ عندما يشعر كل فرد بأن الشارع بيته، والمدرسة مسؤوليته، والمرفق العام ملك له، وأن القانون يحمي الجميع دون تمييز، وأن احترام الآخر ليس تنازلًا، بل هو أرقى صور التحضر.

وفي النهاية، ستظل الأمم تُقاس بما تملكه من إنسان صالح قبل أن تُقاس بما تملكه من ثروات وإمكانات. فبناء الإنسان هو الاستثمار الذي لا يخسر، والأساس المتين الذي تُبنى عليه الأوطان القوية والمجتمعات المزدهرة، وهو الضمانة الحقيقية لاستدامة كل إنجاز مادي وتحويله إلى حضارة باقية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز