البث المباشر الراديو 9090
د. مصطفى النقيب
لم تعد مظاهر السلوك السلبي قاصرة على مجتمع دون آخر، أو على دولة نامية دون دولة متقدمة، بل أصبحت ظاهرة عالمية تتفاوت في حجم وأسباب مشكلتها. فالعصبية في الطرق، ورد الافعال الغير منطقية والتى تؤول الى البلطجة، والسير بالاتجاه المعاكس، والعدوانية في وسائل التواصل، والأنانية في التعامل اليومى المكتسب من الاسرة منذ الطفولة، وعدم احترام النظام، والتعدي على حقوق الآخرين، كلها مؤشرات على أن العالم يواجه أزمة أخلاقية وانهيار قييم تتجاوز الاقتصاد والسياسة، لتصل إلى جوهر الإنسان نفسه. هذا ما شاهدناه بين الفرق الرياضية فى مباريات كأس العالم.

لقد أصبح الشارع مرآة تعكس ما يدور داخل المجتمع بين الاسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل . فطريقة القيادة، واحترام الطوابير، والمحافظة على النظافة، والتعامل مع كبار السن وذوي الإعاقة، والالتزام بالقانون، ليست مجرد سلوكيات منفصلة، بل هي انعكاس لمنظومة القيم التي تشكل شخصية الإنسان. وعندما تتراجع هذه المنظومة، يصبح من الطبيعي أن تنتشر الفوضى حتى في أكثر البيئات تقدمًا.

ومن اللافت أن بعض المجتمعات استطاعت أن تحقق معادلة صعبة؛ مثل اليابان فهي لم تعتمد فقط على القوانين الرادعة، وإنما غرست منذ الطفولة ثقافة احترام الإنسان والمكان والوقت. فالقانون يحمي المجتمع، لكنه لا يستطيع أن يراقب كل تصرف. أما الضمير والقيم، فهما الرقيب الدائم الذي لا يغيب.

ومن الأخطاء الشائعة أن نحمّل الأسرة وحدها مسؤولية هذا التراجع. فالأسرة هي البداية، لكنها ليست النهاية. فالمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، ودور العبادة، والمؤسسات الثقافية، والجهات الحكومية، ومنصات التواصل، جميعها شركاء في تشكيل السلوك العام. وإذا اختلفت الرسائل التي تقدمها هذه المؤسسات، فإن الفرد يعيش حالة من التناقض القيمي تؤدي إلى اضطراب السلوك.

إن الدول التي نجحت في تحسين السلوك المجتمعي لم تبدأ بحملات توعوية موسمية، بل تبنت مشروعًا وطنيًا طويل الأمد لبناء الإنسان. فالتعليم لم يعد يقتصر على نقل المعرفة، بل أصبح يهتم بتنمية مهارات الحوار، واحترام التنوع، والعمل الجماعي، والانضباط، والمسؤولية المجتمعية. كما أصبحت المدن نفسها تُصمم بطريقة تشجع على النظام، وتحترم المشاة، وتوفر مساحات عامة نظيفة وآمنة، لأن البيئة المنظمة تُسهم في إنتاج سلوك منظم.

ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم هو تراجع الذوق العام. فالذوق ليس رفاهية، بل هو انعكاس لاحترام الإنسان لنفسه ولمن حوله. ويظهر ذلك في الملبس اللائق، ونظافة المكان، وطريقة الحديث، واحترام الخصوصية، والحفاظ على الممتلكات العامة، والتعامل الراقي في الخلاف. فكلما ارتقى الذوق العام، ارتفع مستوى الثقة بين أفراد المجتمع، وازدادت جودة الحياة.

ومن هنا، فإن مشروع بناء الإنسان يجب أن يصبح أولوية وطنية في كل دولة، لأنه الاستثمار الوحيد الذي تزداد قيمته مع الزمن. فحين يرتقي الإنسان بقيمه، يرتقي الشارع، وترتقي المؤسسة، وترتقي الدولة بأكملها. وعندها فقط يمكن أن نقول إننا لم نبنِ مدنًا حديثة فحسب، بل بنينا حضارة تستحق أن تورث للأجيال القادمة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز