ماريان جرجس
وكان التحول الرقمي واللحاق بركب التكنولوجيا أحد أهم ركائز الرؤية المصرية لبناء الجمهورية الجديدة، وهو ما انعكس بصورة واضحة على قطاع الاتصالات الذي شهد طفرة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
أتذكر أنه قبل عام 2011، كان من الممكن شراء أي عدد من خطوط الهواتف المحمولة دون بطاقة وبأسعار زهيدة، حتى وصل الأمر بقطاع الاتصالات إلى حالة من العشوائية الشديدة؛ إذ كان من الممكن ارتكاب جريمة باستخدام خط غير معلوم الهوية، وهو ما خلق حالة من الفوضى الرقمية.
اليوم، تغير المشهد بصورة كبيرة، وأصبح تنظيم قطاع الاتصالات جزءًا أساسيًا من منظومة حماية المجتمع وتعزيز الأمن الرقمي، بالتوازي مع التوسع في الخدمات الرقمية وربطها بمختلف قطاعات الدولة.
وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ليست وزارة منفصلة عن باقي مؤسسات الدولة، وإنما هي وزارة متشابكة ومتواصلة مع مختلف الوزارات والقطاعات، من الصحة والعدل والنقل إلى التضامن الاجتماعي والداخلية، وغيرها من القطاعات التي أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من آليات عملها وتقديم خدماتها للمواطنين.
وفي قطاع الصحة، على سبيل المثال، لم يقتصر الأمر على الرقمنة وإعداد قواعد البيانات، وإحلال النظم الإلكترونية محل الإجراءات الورقية الخاصة بالطواقم الطبية والمواليد والوفيات وغيرها، وإنما امتد إلى تقديم خدمات جديدة تعتمد على التكنولوجيا، من بينها «العلاج عن بُعد».
وهذه تجربة جديدة وعملية في القطاع الصحي، تقوم على إتاحة التشاور الطبي عن بُعد، وليس ممارسة التطبيب بشكل كامل عن بُعد، في الحالات المستعصية والمعقدة وفي مختلف التخصصات، من خلال التواصل بين الجهة المستقبلة للحالة، مثل مستشفى أو مستشفى جامعي في القاهرة أو الجيزة، وبين وحدة صحية أو مستشفى في المناطق النائية، مثل الواحات أو الوادي الجديد. وهنا تتحول التكنولوجيا من مجرد وسيلة اتصال إلى أداة لإنقاذ الوقت وتحقيق قدر أكبر من العدالة في الحصول على الخدمات الصحية.
كما يقوم الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، من خلال الخط الساخن 155، بدور فعال في استقبال شكاوى المواطنين والتعامل معها، إلى جانب تطبيق «My NTRA» الذي انتبه إليه كثير من المواطنين خلال الأيام الأخيرة، خصوصًا فيما يتعلق بخدمة الاستعلام عن عدد خطوط الهاتف المحمول المسجلة بأسمائهم.
والحقيقة أنني سعدت بمستوى الوعي الرقمي الذي بدأ ينمو داخل المجتمع المصري، خاصة مع تعامل المواطنين بجدية مع مسألة التأكد من الخطوط المسجلة بأسمائهم.
وفي هذا السياق، جاء توضيح وزارة الاتصالات بشأن آليات التعامل مع هذه المشكلة، من خلال إتاحة الكشف عن عدد الخطوط المسجلة باسم المواطن عبر التطبيق، وفي حال اكتشاف وجود خط مرتبط باسمه ولا يعلم عنه شيئًا، يصبح من حقه الإبلاغ للجهات المختصة، بينما يواصل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات مراجعة وتطوير الضوابط المنظمة لتسجيل وتفعيل خطوط الهاتف المحمول.
كما أكدت الوزارة أهمية أن يحرص المواطنون على التأكد بصورة دورية من عدد الخطوط المسجلة بأسمائهم.
وفي رأيي، فإن هذا السلوك يمثل نموذجًا مهمًا للوعي التكنولوجي والرقمي الذي يجب أن يمتلكه المواطن المصري، ليس فقط لحماية بياناته وهويته الرقمية، وإنما أيضًا في إطار تعزيز الحوكمة الأمنية والحد من الجرائم الإلكترونية، التي أصبحت واحدة من أبرز تحديات العصر الرقمي.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني فقط إنشاء منصات إلكترونية أو نقل الخدمات من الورق إلى الحاسوب والهاتف المحمول، وإنما يعني بالأساس تغيير طريقة تعامل المجتمع مع التكنولوجيا، وتحويل المواطن من مستخدم عابر للخدمة إلى طرف واعٍ بحقوقه ومسؤولياته الرقمية.
ومن هنا، فإن نجاح وزارة الاتصالات لا يقاس فقط بعدد المشروعات التي تنفذها كل يوم، أو بعدد الخدمات التي يتم تحويلها إلى النظام الإلكتروني، وإنما يقاس أيضًا بقدرتها على تغيير ثقافة المجتمع تجاه التكنولوجيا، وتحويلها إلى أداة للتنمية والتعليم والاستثمار، وتحسين جودة حياة المواطن، في ظل التسارع الهائل الذي تشهده الثورة الرقمية حول العالم.
إنها وزارة أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، ومتداخلة مع قطاعات الدولة المختلفة، وتعمل على بناء البنية التكنولوجية التي تقوم عليها الجمهورية الجديدة.
وهذه في النهاية هي الصورة الأهم لوزارة الاتصالات: ليست مجرد وزارة للتكنولوجيا، وإنما وزارة تمتد أذرعها إلى مختلف مؤسسات الدولة، وتستهدف بناء مجتمع رقمي ناضج، ومكتمل، وواعٍ.
فشكرًا وزارة الاتصالات.. لأن بناء الجمهورية الجديدة لا يكتمل فقط بالمشروعات والمنشآت، وإنما أيضًا ببناء عقل رقمي جديد قادر على التعامل مع المستقبل.