البث المباشر الراديو 9090
د.إيناس علي
في بيئة العمل، لا يحتاج الموظف إلى المقابل المادي فقط حتى يشعر بالرضا، فهناك احتياج إنساني لا يقل أهمية، وهو أن يشعر بأن ما يقدمه محل تقدير، وأن جهده لا يمر دون أن يراه أحد.

التقدير المعنوي من جانب الرؤساء ليس مجرد كلمات مجاملة أو عبارات ثناء عابرة، وإنما هو رسالة مهمة للموظف مفادها أن وجوده له قيمة، وأن ما يقدمه يصنع فارقًا. وكثيرًا ما تكون كلمة تقدير صادقة في الوقت المناسب أكثر تأثيرًا من إجراءات كثيرة، لأنها تمنح الموظف دافعًا للاستمرار، وتشجعه على تطوير نفسه، وتفتح أمامه مساحة أكبر للإبداع والابتكار.

وعندما يشعر الموظف بأن رئيسه يرى مجهوده ويثق في قدراته، يتولد لديه شعور بالانتماء، ويصبح أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية وتقديم أفكار جديدة؛ لأنه لا يعمل فقط من أجل تنفيذ المطلوب، وإنما يشعر بأنه جزء من نجاح المؤسسة.

ومن هنا تأتي أهمية أن يكون التقدير مرتبطًا أيضًا بالمسار الوظيفي. فمن الطبيعي أن يتطلع الموظف، مع تراكم سنوات الخبرة وزيادة الكفاءة وتحمل مسؤوليات أكبر، إلى مكانة وظيفية تتناسب مع ما وصل إليه. فالترقية العادلة ليست مجرد منصب أو لقب، وإنما اعتراف بقيمة الخبرة والجهد، ورسالة بأن التطور المهني له مكان داخل المؤسسة.

أما أن يعمل الإنسان لسنوات، ثم يشعر بأن خبرته لا تضيف إلى مكانته، أو أن مستقبله الوظيفي يتراجع بدلًا من أن يتقدم، فذلك قد يؤثر في دافعيته وشعوره بقيمة ما يقدمه. فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى أن يرى ثمرة تطوره، وأن يشعر بأن الطريق أمامه مفتوح لمزيد من التقدم، وليس للانتقاص أو التراجع.

وفي المقابل، فإن الإدارة الناجحة ليست الإدارة التي تفرض سيطرتها على الموظفين، وإنما التي تستطيع قيادتهم وكسب احترامهم ورضاهم. وهناك فارق كبير بين الحزم والتسلط، وبين الإدارة التي تضع قواعد واضحة وتحاسب بعدالة، والإدارة التي تعتمد على الخوف والضغط.

والموظف الذي يشعر بالاحترام والتقدير يعمل بروح مختلفة؛ فيؤدي مهامه بود، ويتعاون مع زملائه، ويصبح أكثر استعدادًا للمبادرة وتحمل المسؤولية. أما حين تتحول بيئة العمل إلى مساحة للخوف أو التجاهل، فقد يكتفي الموظف بأداء الحد الأدنى المطلوب منه.

في النهاية، المؤسسة الناجحة لا تُبنى باللوائح وحدها، وإنما بالإنسان الذي يطبقها ويحقق أهدافها.

التقدير ليس مجاملة، والترقية ليست مجرد لقب، والإدارة ليست سلطة. إنها منظومة من الاحترام والعدالة والثقة. وعندما يشعر الموظف بقيمته، فإنه يكون أكثر قدرة على العطاء والإبداع، وأكثر رغبة في دفع المؤسسة إلى الأمام، وهي في الوقت نفسه تساعده على التقدم في مسيرته المهنية، دون أن تنتقص من قدره.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز