البث المباشر الراديو 9090
د. سامح خضر
تزداد الساحة السياسية الإسرائيلية سخونة باقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقرر لها في السابع والعشرين من الشهر الجاري. وتتواتر نتائج استطلاعات الرأي التي تنظمها مؤسسات وقنوات إعلامية موالية للتيارات السياسية المتصارعة على القاعدة الانتخابية في إسرائيل، محاولة إظهار تفوق معسكرها في استطلاعات الرأي. والحقيقة تقول إن استطلاعات الرأي في إسرائيل مضللة في مجملها، ولا تعبر عن النوايا التصويتية الحقيقية التي تتبدل وتتغير أمام صندوق الاقتراع، فتدفع بحزب إلى المقدمة وتدفع آخرين إلى المؤخرة. لذا، فإن اللعبة السياسية الحقيقية ليست في القدرة على تصدر استطلاعات الرأي أو نتائج الانتخابات، وإنما في مدى الحنكة السياسية التي يتمتع بها الفائز أو الخاسر، ومدى نجاح أي منهما في إدارة مفاوضات تشكيل الحكومة.

يدور الصراع الانتخابي الآن بين معسكرين لا ثالث لهما تقريباً؛ الأول هو اليمين المتطرف الذي يقود الائتلاف الحاكم، ويعمل وفق أجندة استعمارية تطهيرية واضحة؛ إذ يدفع باتجاه زيادة الاستيطان وتوسيع رقعة السيطرة الإسرائيلية، ليس على مناطق (C) فحسب، بل على المناطق التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو. ويمثل خطاب الإرهاب والتخويف أحد أبرز أدوات اليمين الإسرائيلي الساعي إلى استقطاب أكبر نسبة من جمهور المترددين، من خلال تكرار شعار "إما اليمين وإما فلسطين"، الذي يركز على البعد الوجودي وشيطنة المعسكر الآخر الذي يجري تصويره على أنه يساري وأكثر استعداداً للتنازلات السياسية، في مقابل معسكر اليمين المتطرف الذي يتبنى سياسة التوسع الاستيطاني.

يعد تبني اليمين المتطرف، بزعامة بنيامين نتنياهو، لهذا الشعار الانتخابي تسطيحاً للنقاش حول قضايا جوهرية تتحمل الحكومة الحالية المسؤولية عنها؛ مثل: الأمن، والاقتصاد، والعقد الاجتماعي الآخذ في الانفراط. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يعمق الشعار الحالي حالة الفرز والاستقطاب الحادة، ويدفع الناخبين للاصطفاف الأعمى خلف المعسكرات المتنافسة دون نقاش جدي ومسؤول حول الحلول الممكنة لإشكالات عديدة. كما أن مصطلحات مثل: "حكومة يسار"، "التنازلات السياسية"، و"دولة ضعيفة"، ووسم مرشحي المعارضة بالانبطاح السياسي وغياب الرؤية -التي تعزز مكانة إسرائيل في خطاب المعسكر الآخر- تدفع الأخيرة إلى السير على خيط دقيق؛ فهو من جهة يسعى لتبني خطاب يميني الطابع يستميل به الشارع اليهودي-الصهيوني، ومن جهة أخرى يخشى خسارة الكتلة التصويتية العربية بالانجرار الكامل خلف خطاب اليمين المتطرف.

يدرك بنيامين نتنياهو أن هذه الانتخابات هي الأخيرة له كرئيس وزراء. فمن ناحية، تشير التقارير الصحفية إلى تردي حالة الرجل الصحية -التي حاول إخفاءها عن الجمهور بالمخالفة للقانون- وهو ما ظهر أيضاً في حالة الوهن والإرهاق التي بدت عليه خلال زيارات ميدانية، إذ لم يستطع الوقوف لدقائق، واضطر معاونوه إلى إراحته بالجلوس تفادياً للإحراج. ومن ناحية أخرى، يعلم نتنياهو أن خسارته الانتخابات ستعطل كثيراً مساعيه المحمومة لـ "إصلاح النظام القضائي" تهرباً من المحاكمات الجنائية، وأن نتيجة الانتخابات ستغير حتماً مقر إقامته من رئاسة الحكومة إلى إحدى زنازين السجون الإسرائيلية. لذا، يدخل نتنياهو هذه الانتخابات وهو يدافع عن مصيره بأسنانه وأظافره.

يجدر بالمعارضة الإسرائيلية التفكير في خطاب بمقدوره إرباك معسكر اليمين المتطرف، عبر التركيز على عوراته المكشوفة للعيان؛ من سوء السمعة، والنزاهة، والاحتيال، وإساءة الأمانة، وتضارب المصالح، وتقويض مؤسسات الدولة، والإخلال بعدالة توزيع مسؤولية الخدمة العسكرية، وخلاف ذلك من قضايا. كما يمكن وضع المعسكر المتطرف تحت ضغوط هائلة من خلال التركيز على كم المنافع الفئوية التي جنتها أحزاب الائتلاف الحاكم على حساب المواطن الإسرائيلي العادي، خصوصاً في قضايا الدعم المالي للشرائح الاجتماعية المختلفة.

إن أكثر ما يهدد معسكر المعارضة الآن هو عدم قدرتهم على بناء خطاب مضاد يدحض سردية اليمين ويعيدهم إلى وضعية الدفاع التقليدية التي من شأنها التسبب في خسارتهم جمهورهم، وأن اختيار اليمين المتطرف يعني بالضرورة الانحياز "للملك لا للمملكة".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز