البث المباشر الراديو 9090
الدكتورة سماء سليمان
في لحظة عربية وإقليمية تتسم بتسارع التحولات الدولية، وتزايد الصراعات، وإعادة تشكيل موازين القوى، تأتي الحاجة إلى استعادة الحوار العربي حول حاضر الأمة ومستقبلها بوصفها حاجة فكرية وسياسية، وليست ترفًا فكريًا.

ومن هنا اكتسب مؤتمر الجمعية العربية للعلوم السياسية الذي عُقد في القاهرة يومي 7 و8 أكتوبر أهمية خاصة، بما طرحه من نقاشات حول التحولات التي يشهدها النظام الدولي وانعكاساتها على المنطقة العربية والعلاقات الدولية.

وقد جاءت مشاركتي في المؤتمر ضمن الجلسة الأولى: «تحولات النظام الدولي: من الأحادية إلى تعدد مراكز القوة»، من خلال ورقة بحثية بعنوان: «النظام الدولي بين الأحادية القطبية والتعددية القطبية: دراسة تحليلية في إعادة توزيع القوة والحروب المعاصرة ومستقبل المنطقة والنظام الدولي»، وذلك في إطار عنوان المؤتمر: «انعكاسات التغيرات في النظام العالمي على حاضر ومستقبل المنطقة العربية والعلاقات الدولية».

ولم يكن النقاش حول النظام الدولي منفصلًا عن سؤالنا العربي؛ ففهم التحولات في بنية القوة العالمية أصبح ضرورة لفهم ما يجري في منطقتنا، وما يحيط بها من أزمات وصراعات وتنافسات دولية وإقليمية.

فالانتقال من مرحلة هيمنة قطب واحد إلى بيئة دولية تتعدد فيها مراكز القوة لا يعني بالضرورة قيام نظام أكثر استقرارًا، وإنما يفتح المجال أمام إعادة ترتيب التحالفات وموازين القوى، ويجعل الدول والمجتمعات أمام تحديات جديدة تتطلب قدرًا أكبر من الوعي الاستراتيجي والقدرة على قراءة المتغيرات.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المفكرين والباحثين والأكاديميين والسياسيين العرب ليس فقط: إلى أين يتجه النظام الدولي؟ وإنما أيضًا: أين تقف الأمة العربية في هذا النظام المتغير؟ وما الذي يمكن أن تفعله لكي تكون فاعلًا في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لتداعيات التحولات الدولية؟

لقد أظهرت النقاشات التي شهدها المؤتمر أن الأزمة العربية لا يمكن التعامل معها من زاوية واحدة. فهي أزمة سياسية وفكرية واقتصادية واستراتيجية، وتتداخل فيها العوامل الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، ولذلك فإن الخروج منها يحتاج إلى مقاربة متعددة الأبعاد، تبدأ بإعادة الاعتبار إلى العقل العربي، وإلى دور البحث العلمي، وإلى الحوار بين أصحاب الاختصاص والخبرة.

وفي هذا السياق، جاءت الدعوة التي طرحتها خلال المؤتمر إلى إطلاق حوار فكري عربي يشارك فيه المفكرون والمثقفون والباحثون والأكاديميون والسياسيون، بهدف التفكير المشترك في سبل الخروج من الأزمات التي تمر بها الدول العربية.

وهي دعوة تكتسب أهميتها من توقيتها ومن طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة. فالأزمات الكبرى لا تُواجه فقط بإدارة الأزمات الآنية، وإنما تحتاج أيضًا إلى إنتاج أفكار جديدة، وإلى بناء رؤى تستشرف المستقبل، وإلى مساحة عربية للحوار تسمح بتبادل وجهات النظر بعيدًا عن التجاذبات التي تحول دون رؤية الصورة الكاملة.

وقد تناولتُ هذه الفكرة في ثلاثة مقالات نشرتها صحيفة «الشروق» المصرية، انطلاقًا من قناعة بأن الحوار الفكري العربي يمكن أن يشكل خطوة في طريق بناء وعي مشترك بالتحديات، والبحث عن مساحات الاتفاق، وصياغة رؤى قابلة للنقاش حول مستقبل المنطقة.

إن الرؤية العربية المشتركة لا تعني بالضرورة التطابق في المواقف أو إلغاء الاختلاف بين الدول والمجتمعات والتيارات الفكرية والسياسية.

على العكس، فإن أي حوار جاد يجب أن يعترف بالتنوع والاختلاف، لكنه يبحث في الوقت نفسه عن القضايا التي تجمع العرب، وعن المصالح المشتركة التي يمكن أن تشكل أساسًا للتعاون.

ولعل البداية تكون من إعادة تعريف مفهوم الحوار العربي نفسه: حوار لا يقتصر على ردود الفعل تجاه الأحداث، ولا ينتظر الأزمات حتى تبدأ المناقشة، وإنما يتحول إلى عملية مستمرة لإنتاج المعرفة والأفكار والسياسات، حوار يجمع بين الجامعات ومراكز البحوث والمثقفين والخبراء وصناع القرار، ويتيح للأجيال الجديدة من الباحثين والمفكرين المشاركة في صياغة الأسئلة الكبرى.

فالعالم يتغير بسرعة، ومراكز القوة تتعدد، والتكنولوجيا تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والأمن، بينما تتزايد أهمية المعرفة والمعلومات في تحديد قدرة الدول والمجتمعات على حماية مصالحها. وفي مثل هذا العالم، لا يكفي أن نراقب التحولات، بل يجب أن نمتلك القدرة على تحليلها واستشراف آثارها وصياغة البدائل.

ومن هنا، فإن تطوير مدرسة عربية في التفكير الاستراتيجي ربما يكون أحد المسارات المهمة لبناء الرؤية المشتركة؛ مدرسة تستفيد من الخبرات العربية المتراكمة، وتربط بين البحث الأكاديمي وصناعة القرار، وتدرس المنطقة في سياقها الدولي، دون أن تفقد قدرتها على النظر إلى الواقع من منظور عربي ومصالح عربية.

لقد كان مؤتمر الجمعية العربية للعلوم السياسية مناسبة لإعادة طرح هذا السؤال: هل تستطيع النخب الفكرية والأكاديمية والسياسية العربية أن تفتح مساحة جديدة للحوار حول المستقبل؟

والإجابة تبدأ، في تقديري، من الاعتراف بأن الاختلاف ليس عائقًا أمام الحوار، وأن تعدد الرؤى يمكن أن يكون مصدر قوة إذا جرى تنظيمه داخل إطار معرفي يحترم الرأي الآخر ويحتكم إلى البحث والتحليل.

إن الأمة العربية أمام مرحلة تحتاج فيها إلى إعادة بناء قدرتها على التفكير الجماعي. وليس المقصود بذلك إنتاج خطاب واحد أو رؤية واحدة تفرض على الجميع، وإنما بناء مساحة مشتركة نناقش فيها قضايانا الكبرى: الأمن والاستقرار، التنمية، الاقتصاد، التكنولوجيا، التعليم، البحث العلمي، إدارة الموارد، العلاقات الدولية، ومستقبل الدولة والمجتمع في عالم سريع التغير.

وفي النهاية، تحتاج المنطقة العربية إلى أن تعيد ترتيب أولوياتها -في الوقت الذي يعيد العالم ترتيب موازين القوة- أن تستثمر في الإنسان والعلم والفكر، وأن تفتح المجال أمام حوار عربي واسع يشارك فيه أصحاب الخبرة والفكر والمعرفة.

ومن القاهرة، التي كانت ولا تزال إحدى ساحات الحوار العربي الكبرى، يمكن أن تبدأ خطوة جديدة نحو حوار فكري عربي مسؤول؛ حوار لا يبحث عن إجابات جاهزة، وإنما يطرح الأسئلة الصحيحة، ولا ينكر الخلاف، وإنما يحوله إلى فرصة للتفكير المشترك.

إن بناء رؤية عربية مشتركة يبدأ من فكرة بسيطة، لكنها عميقة: أن مستقبل المنطقة لا ينبغي أن يُترك فقط لتوازنات القوى الدولية والإقليمية، بل يحتاج أيضًا إلى عقل عربي قادر على قراءة المتغيرات، وصياغة الخيارات، والمشاركة في صناعة المستقبل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز