د. سلوى سليمان
لذا، يُلاحظ اليوم بوضوح تسابق المجتمعات وسعي الأمم والبلدان إلى الكشف عن الأبناء المتفوقين والموهوبين والمبدعين ورعايتهم، فقد أدركت تلك الدول أن قدراتها إنما تعلو بموهوبيها ومبدعيها، وأنها تتقدم على غيرها من الدول بعقول علمائها ومفكريها ومخترعيها.
وقد كشفت نتائج العديد من الدراسات أن نسبة غير قليلة من الموهوبين يعانون مشكلات مختلفة، ويواجهون بعض المعوقات في بيئاتهم الأسرية والمدرسية والمجتمعية، وأن هذه المشكلات والمعاملات لا تُعرّض استعداداتهم الفائقة للذبول والتدهور فحسب، وإنما تهدد أمنهم النفسي أيضًا، وتولد بداخلهم الصراع والتوتر، كما تفقدهم الحماس والشعور بالثقة.
وقد تنحرف استعداداتهم وقدراتهم المتميزة عن الطريق المنشود، لتسلك مسارًا عكسيًا تترتب عليه أضرار تمسهم ومجتمعاتهم على حد سواء.
لذا، فإن تقدير أصحاب المواهب والبحث عنهم واكتشاف ما لديهم من مواهب في أي مجتمع يُعد نتيجة حتمية لمرحلة التطور التي تمر بها المجتمعات، وبخاصة في ظل الطفرة العلمية والتقنية.
وتُعد المدرسة والنظام التعليمي المتبع الوسيلة الرئيسية للوصول إلى ذوي المواهب؛ ولهذا ينبغي التركيز، أولًا، على حتمية الاكتشاف المبكر للموهوبين باستخدام أساليب علمية مقننة، وثانيًا، الاهتمام بالمناهج التعليمية وإخضاعها للتطوير المستمر، بما يواكب التطور السريع الذي يشهده العصر الحاضر، لتمكينهم من تنمية مواهبهم وقدراتهم قبل فوات الأوان.
وفي هذا السياق، نُشير إلى أن سباق التميز أصبح يحتم علينا جميعًا استثمار المواهب، وقد تجلى ذلك مؤخرًا في صورة مبادرات ومشروعات قومية؛ لأن العنصر الأهم في هذه العملية هو العنصر البشري، المتمثل في الموهوبين، وهي الشريحة التي يمكن، إذا أُحسن استثمارها، أن تقودنا إلى مرحلة الإبداع في كثير من المسارات العلمية والفنية والأدبية وغيرها.
وتُلقى المسئولية الكبرى على رجال التربية والتعليم لنشر ثقافة الموهبة والإبداع في نفوس الأطفال منذ السنوات المبكرة، ومن ثم المساهمة الفعالة في تطوير العملية التعليمية في مجال تربية الموهوبين، من خلال الأنشطة والمشروعات البحثية والبرامج الأكاديمية والتدريبية التي من شأنها، إذا نُفذت على النحو المطلوب، تحقيق النجاحات المأمولة في اكتشاف مواهب الأطفال وتنميتها واستثمارها.
وعلى الوزارات والهيئات والمؤسسات مسئولية كبيرة وجهد أكبر في اكتشاف البراعم الصالحة لخوض معارك المستقبل في ميادين العلوم والتكنولوجيا والثقافة وغيرها. ولكن، هل الأهم في هذه المرحلة هو اكتشاف المواهب أم صناعة المواهب؟ أم الاثنان معًا؟
بدايةً، دعونا نفرق بين الاكتشاف والصناعة بمثال بسيط؛ فالاكتشاف هو إخراج شيء موجود بالفعل إلى العلن والكشف عنه، أما الصناعة فهي إيجاد هذا الشيء من خلال وسائل وأدوات محددة.
وهُنا نعني أن المواهب يمكن اكتشافها لدى من يمتلكون الاستعداد الفطري للتميز في مجال معين، أما صناعة الموهبة فتتحقق من خلال التعلم والتدريب والإتقان.
ونحن هنا نحتاج إلى معرفة الموهوبين الموجودين بين الأطفال في المدارس والمؤسسات المختلفة، ولكننا نحتاج أيضًا إلى توجيه بقية الأطفال الذين لا تتوافر لديهم الموهبة الفطرية نحو المجالات المستقبلية التي تقوم عليها العلوم والوظائف.
ولسوء الحظ، فإن العديد من الأطفال لا يستطيعون تحديد ميولهم، وهنا تقع المسؤولية على عاتق التربويين؛ إذ إن توفير البنية التحتية والأدوات والبيئة الصحية لنشأة الموهوب أو المتميز من شأنه أن يتيح لنا فرصة تحقيق طفرة في العديد من التخصصات.
ومعنى ذلك أننا سنهتم بالكشف عن الموهبة وصناعتها معًا. ولهذا، بدأت الدولة خطواتها الفعلية لرعاية الموهوبين من خلال توفير بيئة حاضنة للمواهب والابتكارات، وتقديم الدعم اللازم لهم لرعايتهم وتنمية ما لديهم من أفكار، عبر مشروع لاكتشاف الموهوبين في المجتمع في المجالين الأكاديمي والعلمي، بهدف اكتشاف قدرات الأطفال والشباب النابغين في جميع التخصصات وصقلها.
ويستهدف ذلك إزالة العائق الأكبر الذي طالما وقف أمامهم وحال دون تحقيق الكثير من الاختراعات، وهو افتقارهم إلى من يحتضن أفكارهم وينميها، حتى يسهموا في تقدم الدولة وبنائها، من خلال إمكانات قائمة على استغلال التكنولوجيا والإبداع، وتعظيم الاستفادة من طاقات الشباب في تطوير المشروعات وحل المشكلات المجتمعية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تدعيم جامعة الطفل، التي تؤدي دورًا كبيرًا في تهذيب النشء وتعليمه، فضلًا عن العلاقة الوثيقة والتكاملية التي تربطها بمشروع «رعاية الموهوبين والمبتكرين»، إذ يقع على عاتقها دور في اكتشاف الموهبة وتنميتها، ثم التأهيل الجيد لها، حتى يتمكن الطفل من إخراج ما بداخله من أفكار وترجمتها إلى أداءات متميزة.
ومن هنا، فإن البداية الحقيقية لاكتشاف مواهب الطفل تبدأ عادةً بالرعاية المبكرة في مرحلة الطفولة المبكرة والمرحلة الابتدائية، وهي البداية التي تمهد لاكتشاف ميول الطفل نحو إحدى المواهب التي ينبغي أن تظهر إلى السطح حتى يتسنى تنميتها ورعايتها، وتشجيعه على ممارسة الأساليب والطرائق التي تمكنه من الاستفادة منها. فالموهبة تبدأ صغيرة في العادة، لكنها تنمو وتتسع مع مرور الوقت.
فإذا نشأ الطفل على ممارسة هواية مفيدة، نمت موهبته، ومن ثم حرص على تنميتها واستثمارها في مستقبله القريب والبعيد. وهذه حقيقة ينصح علماء النفس والاجتماع بالأخذ بها وتطبيقها.
أخيرًا، إن التنافس المقبل بين دول العالم يتسم بالصبغة العلمية والبيانية والتكنولوجية؛ لذا، من الأجدى توجيه الطلاب في المدارس والجامعات إلى المسارات الواعدة ومجالات الطفرة المقبلة، لتصبح المؤسسات التعليمية مصانع للمستقبل.
فنحن في سباق مع الزمن، وهو ما يجعل التعليم النظامي، في صورته التقليدية، بيئة محدودة لا تكفي لمواكبة ركب التقدم والثورة التكنولوجية والمعلوماتية. ومن ثم، علينا توفير الوقت والجهد للعمل مع الأطفال على اكتشاف مواهبهم المبكرة، وإدماجهم في برامج إثرائية، كلٌّ بحسب موهبته، وتجهيز مواقع ومراكز لاستقبال الطلاب، مع التركيز على تنمية الموهبة بأساليب مقننة وفاعلة.
وبذلك، يمكننا ضمان التطور المستقبلي الذي ننشده جميعًا، والمتمثل في إعداد جيل من المبدعين ذوي المواهب المتنوعة، القادرين على الإسهام في نهضة الأمة وتقدمها.